تغيير حجم الخط ع ع ع

تتعامل واشنطن الآن مع جيل أكثر حزما وثقة من قادة الخليج الذين سعوا كثيراً على مدار العقد الأخير ليكونوا أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة، ولعل هذا السبب هو أحد العوامل التي جعلت الرياض وأبو ظبي أقرب إلى روسيا والصين في السنوات الأخيرة: نقطة خلاف أخرى في علاقاتهم مع واشنطن.

أثار بايدن غضب القادة في الخليج في أيامه الأولى في منصبه من خلال إنهاء دعم واشنطن للتحالف الذي تقوده السعودية والذي يقاتل المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية، حيث جمد مبيعات الأسلحة “الهجومية” للسعودية ورفع التصنيف الإرهابي الذي فرضته إدارة ترامب عن الحوثيين، وهو أمر رآه المسؤولون في الرياض سبب في تزايد هجمات الحوثيين.

دخل الحوثيون في صراع مع المملكة منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات في الحرب الأهلية اليمنية في 2015 لدعم الحكومة المخلوعة، تعتبر الرياض وأبو ظبي الحوثيين وكيلاً لإيران، العدو الإقليمي لهما، الذي يشكل خطراً على الولايات المتحدة نفسها.

في الأشهر الأولى من هذا العام، شن المتمردون هجمات شبه أسبوعية على السعودية، بما في ذلك هجوم صاروخي في مارس/آذار على جدة، في الفترة التي كانت تستضيف فيها المدينة سباق الفورمولا 1، وفي في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، أطلقوا صواريخ وطائرات بدون طيار على أبو ظبي، وضربوا مطار أبو ظبي -قلب القوة في الإمارات العربية المتحدة.

مع انكشاف ضعف دولته، غضب الشيخ محمد بن زايد، زعيم الإمارات العربية المتحدة، من أن بايدن لم يتصل به لتقديم الدعم، وعليه استخدمت الإمارات مقعدها المؤقت في مجلس الأمن الدولي للامتناع عن التصويت على قرار أمريكي في فبراير/شباط يدين روسيا.

مع استمرار الهدنة المؤقتة في اليمن، تضاءل تهديد الحوثيين، لكن إحساس دول الخليج بالضعف أمام العدوان الإيراني لم يتضاءل، خاصة وأن سعي بايدن لإبرام اتفاق مع طهران لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 يضيف طبقة أخرى معقدة إلى العلاقات الخليجية الأمريكية.

تشعر الرياض وأبو ظبي بالقلق من أن واشنطن تولي القليل من الاهتمام لتطوير إيران للصواريخ ودعمها للمسلحين الشيعة في جميع أنحاء المنطقة – وهو التهديد المباشر لأمنهم، ويخشون أن يتوصل بايدن إلى اتفاق لإحياء الاتفاق الذي تخلى عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 2018، وهو اتفاق يشجع الجمهورية الإسلامية، بينما يفشل في التحقق من أنشطتها الإقليمية.

في تصريحات خاصة لشخص مطلع على موقف أبو ظبي: “كانت الإمارات تتوقع أن تتعامل إدارة بايدن مع هذا الأمر بشكل مختلف… لكنهم عادوا إلى حيث كانوا بالضبط”، في إشارة لموقف إدارة أوباما من ذات الملف.

أوضح بايدن اشمئزازه من مقتل خاشقجي، وعلى عكس ترامب، أصدر نتائج وكالات الاستخبارات الأمريكية بشأن عملية الاغتيال – وانتقد انتهاكات حقوقية أخرى.

في مناظرة رئاسية عام 2019، اتهم بايدن السعوديين بـ “قتل الأطفال” في إشارة واضحة إلى الحرب في اليمن، حيث قوبل التحالف الذي تقوده السعودية بانتقادات واسعة النطاق بسبب الضربات الجوية التي قتلت آلاف المدنيين، وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

في رسالة إلى بايدن الأسبوع الماضي، حث آدم شيف وخمسة من كبار الديمقراطيين الرئيس على إعادة تأكيد المطالبة بالمساءلة عن مقتل خاشقجي ومواصلة تعليق الدعم الهجومي للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن.

كما حذرت منظمة الديموقراطية للعالم العربي الآن، وهي منظمة حقوقية مقرها واشنطن شارك في تأسيسها خاشقجي، من أن الجهود المبذولة لإصلاح علاقة واشنطن بالرياض “بدون التزام حقيقي بإعطاء الأولوية لحقوق الإنسان ليست فقط خيانة لوعود حملة بايدن، ولكنها ستشجع ولي العهد لارتكاب مزيد من الانتهاكات “.

سمعة الإمارات في واشنطن أقل سُمية بكثير، لكنها لم تفلت من الانتقادات لدورها في اليمن كشريك للسعودية في التحالف.

بشكل منفصل، فقد أحبطت الإمارات المسؤولين الأمريكيين من مساعي السياسة الخارجية الأخرى، بما في ذلك دعمها للجنرال الليبي المنشق، خليفة حفتر، إلى جانب روسيا، خلال الحرب الأهلية الليبية، كما اختارت أن تكون من بين الدول العربية الأولى التي تعيد العلاقات الدبلوماسية مع الرئيس السوري بشار الأسد.

وصفت واشنطن استضافة الشيخ محمد بن زايد الأسد في أبو ظبي في مارس/آذار، بأنها “محبطة للغاية”.

كانت نقطة الخلاف الأخرى هي العلاقات الخليجية المزدهرة مع الصين وانفتاح شهيتها للتكنولوجيا الصينية، بما في ذلك شبكات Huawei 5G ، على الرغم من مخاوف واشنطن بشأن استخدامها للتجسس على الأصول الأمريكية.

في الآونة الأخيرة، كانت هناك مخاوف من أن تصبح الإمارات العربية المتحدة مركزًا للأموال الروسية القذرة والتهرب من العقوبات.

الإمارات العربية المتحدة هي الدولة الثانية فقط بعد الولايات المتحدة التي تمتلك نظام الدفاع الجوي المتقدم ثاد – وكانت المرة الأولى التي تم فيها إطلاق صاروخ ثاد في هجمات هذا العام، لإسقاط صاروخ حوثي تم إطلاقه في أبو ظبي.

في غضون ذلك، من المقرر أن تصبح المملكة العربية السعودية الدولة الثالثة التي تمتلك نظام ثاد بعد أن وافقت وزارة الخارجية على صفقة بقيمة 15 مليار دولار لـ 44 منصة إطلاق في عام 2017.

يقول توم كاراكو، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن المملكة تستحوذ على عدد من صواريخ الثاد يساوي عدد الجيش الأمريكي.

حتى الآن، تشير الإشارات من الرياض وأبو ظبي إلى أنهما ليسا مستعدين لقطع العلاقات مع بوتين، على الرغم من محاولات الغرب لعزله وكشف الغزو عن نقاط الضعف في الجيش الروسي.

في بداية الشهر الجاري، استضافت السعودية وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في اجتماع لمجلس التعاون الخليجي في الرياض.

أدى قرار بوتين بالتدخل في الحرب الأهلية السورية لدعم الأسد في عام 2015 إلى تعزيز دور روسيا في الشرق الأوسط، وحينها كانت في الجانب المقابل لدول الخليج التي كانت تقف ضد نظام بشار الأسد.

إلى جانب علاقات موسكو مع إيران، فإن هذا يعني أن بوتين يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه لاعب – ومفسد محتمل – في المنطقة.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا