رأى تقرير نشرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية أن الحرب الأخيرة مع إيران لم تخلق الخلافات بين السعودية والإمارات، بل كشفت عن تباينات استراتيجية عميقة كانت تتراكم منذ سنوات، ومنحت طهران فرصة لاستغلالها في إطار صراع النفوذ الإقليمي. واعتبر التقرير أن التنافس المتصاعد بين الرياض وأبوظبي على القيادة الاقتصادية والسياسية في المنطقة بات أحد أبرز العوامل المؤثرة في المشهد الخليجي، وسط مؤشرات على تشكل رؤيتين مختلفتين للتعامل مع إيران ومستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

تنافس يتجاوز الحرب الحالية

وأوضح التقرير أن العلاقات السعودية الإماراتية شهدت خلال العقد الماضي انتقالاً تدريجياً من مرحلة التنسيق الوثيق إلى مرحلة التنافس المتزايد، رغم استمرار المظاهر الرسمية للتحالف بين البلدين.

وأشار إلى أن الإمارات نجحت مبكراً في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتجارة والخدمات اللوجستية والاستثمارات الدولية، بينما سعت السعودية من خلال مشاريعها الاقتصادية الكبرى ورؤية 2030 إلى بناء نموذج اقتصادي منافس وجذب الشركات والاستثمارات العالمية إلى أراضيها.

ويرى التقرير أن هذا التنافس لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى ملفات إقليمية متعددة شملت اليمن والسودان والقرن الأفريقي، حيث تبنى كل طرف مقاربات مختلفة تجاه الحلفاء المحليين وأولويات النفوذ السياسي والأمني.

تباين في ملفات الطاقة والسياسة الإقليمية

ولفت التقرير إلى أن سياسات الطاقة شكلت إحدى أبرز نقاط الاختلاف بين البلدين، إذ تركز السعودية على استقرار أسعار النفط بما يخدم خططها الاقتصادية طويلة الأمد، في حين تمنح الإمارات أولوية أكبر لزيادة الإنتاج والحفاظ على حصتها في الأسواق العالمية.

واعتبر أن قرار أبوظبي الانسحاب من منظمة أوبك شكّل مؤشراً واضحاً على اتساع الفجوة السياسية والاقتصادية بين الجانبين، وعكس رغبة إماراتية متزايدة في اتباع مسار مستقل عن السياسات النفطية التي تقودها الرياض.

كما أشار إلى أن اتفاقيات أبراهام عززت التقارب الإماراتي الإسرائيلي بصورة كبيرة، بينما حافظت السعودية على نهج أكثر حذراً في إدارة علاقاتها الإقليمية، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب في غزة والتوازنات الداخلية والخارجية المرتبطة بهذا الملف.

إيران تستفيد من الانقسامات الخليجية

وبحسب التقرير، فإن طهران قرأت هذه التباينات بصورة دقيقة، وتعاملت معها باعتبارها فرصة استراتيجية يمكن استثمارها لتعزيز موقعها الإقليمي وتقليل الضغوط المفروضة عليها.

وأشار إلى أن الهجمات التي استهدفت منشآت ومرافق داخل الإمارات خلال الحرب الأخيرة عكست نمطاً مختلفاً في السلوك الإيراني مقارنة بالتعامل مع السعودية، حيث مارست طهران ضغوطاً أكبر على أبوظبي مع تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع الرياض.

ويرى التقرير أن هذا التوجه يرتبط بجملة من العوامل، من بينها العلاقات الإماراتية الإسرائيلية المتنامية، إضافة إلى الخلاف التاريخي بين إيران والإمارات حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، والتي تعتبرها طهران من الملفات الحساسة المرتبطة بأمنها القومي.

السعودية وإيران.. من المواجهة إلى التوازن

وفي قراءة لمواقف الأطراف الإقليمية، يرى التقرير أن السعودية باتت تنظر بصورة متزايدة إلى إيران باعتبارها عنصراً من عناصر التوازن الإقليمي، خاصة مع تنامي النفوذ العسكري والسياسي الإسرائيلي في المنطقة.

وأضاف أن الرياض، رغم استمرار خلافاتها مع طهران، تبدو أكثر ميلاً إلى سياسة الاحتواء والتفاهمات الأمنية وعدم الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، بخلاف النهج الإماراتي الذي عزز شراكاته الأمنية والسياسية مع إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

ويشير التقرير إلى أن هذا التباين في المقاربات يعكس تحولاً أعمق داخل مجلس التعاون الخليجي، حيث لم يعد هناك موقف موحد تجاه إيران كما كان الحال في مراحل سابقة.

نظام إقليمي جديد قيد التشكل

واعتبرت “نيوزويك” أن التأثير الأبرز للحرب مع إيران قد لا يتمثل في النتائج العسكرية المباشرة، بل في التحولات التي أحدثتها داخل شبكة التحالفات الإقليمية وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

ورجح التقرير إمكانية عودة نموذج إقليمي قائم على توازن القوى بين السعودية وإيران، بصورة مختلفة عن الترتيبات التي سادت المنطقة خلال العقود الماضية، مع تراجع فكرة الاستقطاب الحاد لصالح ترتيبات أكثر تعقيداً تقوم على المصالح المتبادلة والتفاهمات المرحلية.

وختم التقرير بالتأكيد أن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بمآلات الحرب مع إيران، بل بمدى قدرة مجلس التعاون الخليجي على الحفاظ على تماسكه في ظل التباينات المتزايدة بين أعضائه، وما إذا كانت المنطقة تتجه فعلاً نحو نظام إقليمي جديد ستحدد ملامحه التحالفات والتوازنات التي تتشكل اليوم.