سجلت القوات المسلحة السودانية انتصاراً ميدانياً جديداً في إطار عملياتها العسكرية الرامية لتطهير الجيوب الحدودية، بعد أن نجحت وحدات الفرقة الرابعة مشاة في توجيه ضربة خاطفة وقاسية لمرتزقة ميليشيا الدعم السريع على تخوم مدينة الكرمك الإستراتيجية بولاية النيل الأزرق، أقصى جنوب شرقي البلاد. 

المعارك الضارية التي دارت في منطقة “الزريبة” أسفرت عن مصرع سبعة من عناصر الميليشيا الدموية، وإصابة أربعة آخرين بجروح بليغة، إلى جانب تدمير عدد من الآليات العسكرية؛ وهو ما يمثل حلقة جديدة من مسلسل التهاوي الميداني للمشروع الإماراتي في السودان، والذي سعى لتنفيذ مخططات مشبوهة لتفتيت الدولة والسيطرة على ثرواتها ومنافذها الحدودية عبر أدواته المسلحة.

وأكد البيان الصادر عن قيادة الجيش أن هذه الخسائر الفادحة تأتي في سياق إستراتيجية الضربات المتواصلة والمنسقة التي تستهدف تقليص تحركات الميليشيا، وقطع خطوط إمدادها اللوجستي في المناطق المتاخمة للحدود الإقليمية؛ حيث تستميت أبوظبي في محاولات إيجاد مسارات برية بديلة لتزويد مرتزقتها بالعتاد والسلاح عبر بوابات جغرافية هشة، غير أن اليقظة العملياتية للفرقة الرابعة مشاة أسقطت الرهانات التوسعية، وحولت تخوم الكرمك إلى مصيدة استنزاف بشري وعسكري لعناصر التمرد.

دلالات التقدم الميداني للجيش في المحور الشرقي

تكتسب العمليات العسكرية الأخيرة في ولاية النيل الأزرق أهمية جيوإستراتيجية فائقة؛ فمنطقة الكرمك الحدودية مع إثيوبيا، والتي خضعت لسيطرة مشتركة بين ميليشيا الدعم السريع وحلفائها من الحركة الشعبية/ شمال منذ مارس/ آذار الماضي، تُمثل بالنسبة للمخطط الإماراتي نقطة ارتكاز حيوية لربط العمليات العسكرية بشبكات التهريب والتجارة غير المشروعة وتأمين عمق استخباري متقدم. وبناءً عليه، فإن نجاح الجيش في تطويق المدينة والتقدم في تخومها يمثل صفعة قوية للدوائر الأمنية في أبوظبي التي راهنت على هذا المحور لزعزعة استقرار شرق السودان.

المفارقة الميدانية تكشف عن تسارع وتيرة الانهيار في صفوف الميليشيا المتمردة؛ فخلال الأيام القليلة الماضية، تمكن الجيش من بسط سيطرته الكاملة على بلدات إستراتيجية حيوية في ذات الولاية مثل “كرن كرن”، و”دوكان”، ومنطقة “البركة”، ليتوج هذا التقدم بإحكام الحصار على منطقة الزريبة. هذا التمدد المدروس يسقط الرواية الإعلامية المضللة التي تحاول الأبواق الممولة إماراتياً تسويقها حول قدرة الميليشيا على الصمود، ويؤكد أن زمام المبادرة بات بالكامل في يد القوات المسلحة التي تملك الشرعية الدستورية والتأييد الشعبي الجارف.

حرب استنزاف تضرب مرتزقة المال السياسي

تعيش قيادة ميليشيا الدعم السريع حالة من التخبط الميداني جراء تلاحم الضربات الجوية والبرية التي تتلقاها في مختلف المحاور؛ فالاعتماد المطلق للميليشيا على التمويل والمعدات الإماراتية لم يشفع لها أمام العقيدة القتالية الصارمة للجيش السوداني. ويرى مراقبون عسكريون أن تحييد وتحجيم عناصر الميليشيا في النيل الأزرق يضيق الخناق على قيادة التمرد في الخرطوم ودارفور، ويفقدها أوراق مناورة إقليمية هامة كانت تخطط لاستخدامها لفرض أجندة تقسيمية على طاولة المفاوضات الدولية.

إن مقتل وإصابة هؤلاء العناصر الحدوديين يثبت أن استنزاف القوة البشرية للميليشيا وصل إلى مراحل حرجة، مما دفعها للارتماء في أحضان حركات متمردة قديمة ومحاولة استثارة النعرات العرقية والجهوية؛ غير أن بسط الجيش لسيطرته على ثلاث مناطق حيوية دفعة واحدة الأسبوع الماضي كرس حقيقة ميدانية مفادها أن الاستثمار المالي الإماراتي في دماء السودانيين يتجه نحو خسارة إستراتيجية حتمية، وأن التدخلات الخارجية السافرة لغسل سمعة الجناة لن تصمد أمام إصرار المؤسسة العسكرية على حماية سيادة البلاد ووحدة ترابها الوطني.

الكلفة الإنسانية لجرائم الميليشيا التوسعية

منذ اندلاع الحرب المفروضة على الشعب السوداني في نيسان/ أبريل 2023 جراء رفض الميليشيا الدموية الاندماج في المنظومة العسكرية الرسمية، واجهت البلاد كارثة إنسانية ومجاعة صُنفت كواحدة من الأسوأ عالمياً، حيث تسببت انتهاكات الدعم السريع الممنهجة في مقتل عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح وتشريد نحو 13 مليون شخص داخل وخارج البلاد. وفي ولاية النيل الأزرق تحديداً، أدى العنف الأعمى الذي مارسته الميليشيا وحلفاؤها إلى موجات نزوح جماعية مرعبة للأسر العُزل من مدنهم وقراهم الأمنة.

وتكشف هذه المجازر والانتهاكات الميدانية عن الطبيعة التدميرية للمشروع الإماراتي، الذي لا يكترث لحياة المواطن السوداني أو أمنه الغذائي والصحي، بقدر اهتمامه بتحويل أراضي السودان إلى ساحة نفوذ حصري يخدم مصالح أمنية واقتصادية عابرة للحدود. وتواطؤ الآلة الدعائية والتمويلية لأبوظبي مع هذه الانتهاكات يضعها في خانة الشريك المباشر في جرائم الحرب والتطهير العرقي التي تطال المدنيين، مما يفسر تصاعد المطالبات الشعبية والرسمية السودانية بملاحقة قادة الميليشيا ومموليهم الإقليميين أمام المحاكم الجنائية الدولية.

حتمية الحسم والالتفاف الشعبي حول المؤسسة العسكرية

تؤكد المعطيات الميدانية المتسارعة في إقليم النيل الأزرق أن معركة الكرامة الوطنية تجاوزت حدود المواجهة التكتيكية لتتحول إلى معركة وجودية تلتف حولها كافة أطياف الشعب السوداني والمقاومة الشعبية؛ فالانتصارات المتتالية للفرقة الرابعة مشاة تعزز الثقة العامة في قدرة الدولة على دحر التمرد، وإعادة فرض هيبة القانون والشرعية على كافة الثغور والمنافذ الحدودية.

وفي المحصلة، فإن الضربات القاسمة والموجعة التي تتلقاها ميليشيا الإمارات الدموية على تخوم الكرمك تضع نهاية واضحة لأوهام السيطرة والتقسيم؛ فالمال السياسي العابر للبحار قد يشتري السلاح والمرتزقة، ولكنه يعجز عن كسر إرادة جيش وطني يستند إلى تاريخ عريق وحاضنة شعبية صلبة ترفض التنازل عن سيادتها وحريتها، وتصر على ملاحقة ودحر بؤر الإرهاب والعمالة حتى تطهير آخر شبر من أرض السودان.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين