يمثل التوغل العسكري الإسرائيلي الأخير وتجاوزه لمجرى نهر الليطاني، وصولاً إلى قرى وبلدات في شماله مثل زوطر الشرقية وشقيف أرنون وعلى تخوم مدينة النبطية، محطة مفصلية تكشف بوضوح عن الطبيعة الإستراتيجية الحقيقية لآلة الحرب الإسرائيلية. هذا التحرك الميداني، الذي واكبه استهداف مباشر لمركبات الجيش اللبناني وإصابة عسكريين بجروح بليغة، يسقط بشكل كامل التبريرات الأمنية المؤقتة التي تسوقها تل أبيب للمجتمع الدولي؛ إذ يبرهن على أن العمليات العسكرية لا تقف عند حدود تأمين شريط حدودي أو دفع تهديدات صاروخية، بل تنطلق من عقلية توسعية تاريخية لا تعترف بالخطوط الحمراء، ولا تحترم الاتفاقيات الموقعة، وضمنها اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ نيسان/ أبريل الماضي.

ويرى خبراء في الشؤون الجيوسياسية أن هذا التوغل يتجاوز الأبعاد التكتيكية للمعركة ليلامس جوهر العقيدة الصهيونية القائمة على قضم الأراضي وفرض واقع ميداني جديد بالقوة المسلحة، مستغلاً في ذلك حالة غير مسبوقة من الصمت المطبق والجمود السياسي من قبل النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي يمنح الاحتلال ضوءاً أخضر غير معلن للمضي قدماً في قضم الجغرافيا اللبنانية قطعة قطعة دون خشية من عواقب سياسية أو دبلوماسية رادعة.

الليطاني كهدف إستراتيجي وأوهام الحدود الأمنية

لطالما شكل نهر الليطاني في الأدبيات السياسية والعسكرية الإسرائيلية هدفاً قديماً ومحوراً للأطماع الإستراتيجية، سواء من الناحية المائية أو الجيوسياسية. إن تجاوز القوات الإسرائيلية لهذا الخط الطبيعي والوصول إلى عمق قضاء النبطية يثبت أن السردية الرسمية للاحتلال، والتي تزعم السعي وراء إقرار “ترتيبات أمنية لحماية الشمال”، هي مجرد غطاء لتنفيذ مخططات أوسع تهدف إلى إخلاء الجنوب اللبناني وتحويله إلى منطقة نفوذ عسكري مباشر، ومحو القرى والبلدات بهدف ثني السكان عن العودة وإحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي دائم.

تتجلى هذه العقلية التوسعية في الاستخفاف التام بالسيادة اللبنانية، حيث لم يتردد الاحتلال في استهداف عناصر الجيش اللبناني ومواقعه، مما دفع قيادته لإخلاء بعض المراكز حفاظاً على أرواح العسكريين في ظل اختلال هائل في ميزان القوى التسليحي والتكنولوجي. هذا الاستهداف الممنهج للمؤسسة العسكرية الرسمية في لبنان يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في تقويض أي مظهر من مظاهر الدولة والسيادة الوطنية، لإبقاء الساحة الجنوبية مستباحة بالكامل أمام مسيراتها وقواتها البرية، وفرض شروط إذعان تتجاوز السقوف التي حددتها المساعي الدبلوماسية الدولية.

خرق الاتفاقيات واستراتيجية فرض الأمر الواقع

يأتي هذا التوغل الخطير في ظل سريان اتفاق وقف إطلاق النار والممدد حتى مطلع تموز/ يوليو المقبل، مما يوضح أن دولة الاحتلال لا تنظر إلى الاتفاقيات والعهود الدولية إلا بوصفها وسائل مؤقتة لإعادة التموضع والاستعداد لجولات جديدة من التوسع. إن الخروقات اليومية المستمرة التي تطال المدنيين والمنشآت الحيوية من مدارس ومراكز صحية ودور عبادة، تندرج ضمن إستراتيجية صهيونية ثابتة تقوم على فرض “الأمر الواقع” مستندة إلى تفوقها الناري والدعم اللامحدود من القوى الدولية الكبرى.

العقلية الإسرائيلية تدير المعركة انطلاقاً من مبدأ غياب المحاسبة؛ فالاستمرار في قصف واجتياح مناطق شمال الليطاني يعكس ثقة الاحتلال في أن المنظومة الدولية عاجزة عن اتخاذ أي إجراءات عقابية ملموسة، وأن الإدانات اللفظية الصادرة عن العواصم الغربية لا تتعدى كونها ظواهر صوتية لذر الرماد في العيون، بينما تستمر المساعدات العسكرية والغطاء السياسي في التدفق خلف الكواليس، مما يشجع الائتلاف الحاكم في تل أبيب على المضي في توسيع رقعة الاحتلال البري.

الصمت العربي وتفكك منظومة الأمن القومي المشترك

في مقابل الاندفاعة التوسعية الإسرائيلية، يبدو المشهد الرسمي العربي غارقاً في حالة من العجز والصمت واللامبالاة الإستراتيجية التي تصل إلى حد التواطؤ الضمني. غياب أي رد فعل حقيقي أو تحرك دبلماسي واقتصادي جماعي ضاغط من قبل الدول العربية يمثل دليلاً قاطعاً على تفكك ما كان يُعرف سابقاً بـ”منظومة الأمن القومي العربي”، وتحول العواصم الكبرى إلى مراقب محايد لعملية تدمير واجتياح دولة عربية شقيقة.

هذا الصمت المطبق لا يمكن تفسيره فقط بالعجز العسكري، بل يعود إلى تبدل في الأولويات السياسية للنخب الحاكمة في المنطقة، حيث باتت بعض الأنظمة ترى في استنزاف القوى المقاومة في لبنان مصلحة تتقاطع مع أهدافها الخاصة، متناسية أن العقيدة التوسعية الصهيونية لا تتوقف عند حدود جغرافية معينة. إن حالة الخنوع والبيانات الهزيلة الصادرة عن الجامعات والمؤسسات الإقليمية تمنح قادة الاحتلال اليقين بأنهم يواجهون محيطاً ممزقاً وفاقداً للإرادة، مما يسهل عليهم الاستفراد بلبنان وسحق بنيته التحتية وتهجير سكانه دون الخوف من أي قطع للعلاقات الدبلوماسية أو مراجعة لاتفاقيات التطبيع المبرمة.

الكلفة الإنسانية وصناعة النكبة المستمرة

إن الأرقام المفزعة التي تخلفها هذه الآلة الحربية، والتي تجاوزت آلاف الشهداء والمصابين وأكثر من مليون نازح، تكشف عن أن الكلفة الإنسانية الباهظة هي جزء لا يتجزأ من التخطيط العسكري الإسرائيلي. تدمير القرى والمساجد والكنائس والمدارس في مناطق التوغل الجديدة شمال الليطاني يهدف إلى تحطيم مقومات الحياة الأساسية، وصناعة حالة من “النكبة المستمرة” التي تحول دون استقرار المجتمع اللبناني في أرضه.

هذه الهندسة الدموية تترجم ميدانياً العبارات التحريضية التي تطلقها القيادات المتطرفة في تل أبيب، حيث يتم التعامل مع الحواضن الشعبية والمدنية باعتبارها أهدافاً مشروعة يجب سحقها بالكامل لكسر إرادة الصمود والاستمرار. وأمام هذا التدمير الشامل، يبرز الخذلان العربي كعامل مضاعف لمعاناة النازحين والمنكوبين، حيث تغيب حتى المساعدات الإغاثية والجسور الجوية الإنسانية المؤثرة التي تتناسب مع حجم الكارثة المعيشية والصحية التي يمر بها لبنان.

مستقبل الصراع المفتوح في ظل غياب الرادع

إن تجاوز الاحتلال لنهر الليطاني وتوغله نحو العمق اللبناني يضع المنطقة بأسرها أمام مرحلة جديدة من الصراع المفتوح الذي لا تحكمه أي قواعد أو خطوط حمراء. هذه الخطوة تؤسس لواقع جغرافي وسياسي معقد، وتثبت أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تتغذى على الضعف العربي والتواطؤ الدولي، وأن أي حديث عن سلام أو استقرار إقليمي في ظل هذه العقلية هو نوع من الوهم السياسي.

وفي المحصلة، فإن المشهد الراهن في جنوب لبنان وشمال الليطاني يعيد التذكير بالحقائق البنيوية للصراع؛ فالاحتلال يستمر في التمدد والتدمير مستنداً إلى عقيدة القوة والغطرسة، بينما يستمر النظام الرسمي العربي في تقديم نموذج صارخ للخذلان والتخلي عن المسؤوليات التاريخية، مما يجعل من المقاومة الشعبية والميدانية الخيار الوحيد المتبقي للدفاع عن الأرض والسيادة بوجه مشروع استعماري إحلالي يسعى لالتهام المنطقة قطعة قطعة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين