تغيير حجم الخط ع ع ع

 

فيما بدا واضحا للعيان حجم التحيز الذي تبديه شركة فيسبوك الأميركية ضد المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية على منصة التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارا عالميا، والذي انعكس في التسريبات التي كشفتها منصة “باز فيد” حول شهادات موظفين داخل شركة فيسبوك نفسها، يتهمون فيها الإدارة بالتحيز ضد العرب والمسلمين تزامنا مع العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، محذرين من “فقدان فيسبوك للثقة بين المستخدمين العرب” الذين صوتوا عقابيا ضد التطبيق ومنحوه تقييما سلبيا في متاجر التطبيقات الذكية والتي هبط فيها التطبيق بشكل غير مسبوق.

 

ولكن بالبحث والتدقيق نجد أن كلمة السر في تلك الحملة الشرسة ضد المحتوى الفلسطيني على فيسبوك يعود لرغبة الموقع نفسه، والذي خطا خطوات واسعة لتمكين اليهود المتطرفين من السيطرة على المنصة، ولا أدل على ذلك من تعيين فيسبوك لمستشارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابقة، اليهودية اليمينية المتطرفة، جوردانا كاتلر، لشغل منصب رئيس السياسة العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يعد بحسب المهندس البرمجي أشرف زيتون، أحد الموظفين السابقين في الشركة الذي تحدث لموقع باز، أحد أسباب تعمد فيسبوك حظر المحتوى الفلسطيني.

 

جوردانا كوتلر، مسؤولة السياسيات الاسرائيلية بفيسبوك منذ عام 2016، شغلت قبل التحاقها بالموقع منصب كبير الموظفين في سفارة الاحتلال الإسرائيلي بواشنطن، وشغلت قبل ذلك منصب مستشارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لشؤون يهود الشتات، وجاء تعيينها في فيسبوك تزامنا مع حملة نظمتها بهدف استهداف واسع لصفحات تخص نشطاء ومؤسسات وصحفيين فلسطينيين مناوئين للاحتلال، وخصوصًا حركة الـ BDS وهي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات ومعاقبة الاحتلال الإسرائيلي.

 

قيود غير منطقية

والآن، إذا كنت تحاول تسجيل الإعجاب بأي صفحة مؤيدة لفلسطين، سيكون عليك استقبال رسالة تحذرك من الإعجاب بها دون مراجعة محتواها الذي يمكن أن يكون “غير لائقا” لسياسات فيسبوك، وأبرز مثال على ذلك هو صفحة “غزة الآن” (Gaza Now)، وهي منفذ إخباري موثق يتابعه ما يقرب من 4 ملايين متابع حول العالم، وعندما يحاول المستخدم الجديد أن يتابعها، سيجد رسالة منبثقة “غير مشجعة”، تحت عنوان “قبل الإعجاب بهذه الصفحة”، وكُتب فيها “عندما تعجبك صفحة، سترى تحديثات منها في (آخر الأخبار). قد ترغب في مراجعة الصفحة لمعرفة أنواع المحتويات التي تشاركها عادة”.

 

ولكن في المقابل، وعلى حد وصف مهندس برمجي بالشركة نفسها في حديثه لموقع باز: “لقد أجريت تجربة وحاولت الإعجاب بأكبر عدد ممكن من صفحات الأخبار الإسرائيلية، ولم أتلق رسالة مماثلة مرة واحدة”، مشيرا إلى أن أنظمة الشركة كانت متحيزة ضد المحتوى العربي، وتساءل ما إن كانت كل هذه الأمثلة هي نتاج “تحيز نموذجي”، مما أثار تساؤلات زملائه في الشركة، حيث تطرق أحدهم لسبب وضع رسالة تحذيرية على منشور الممثل مارك رافالو الداعم لفلسطين عبر إنستغرام، فيما علق آخرون على تعمد حظر حملات الإعلانات من المنظمات الإسلامية. وقال موظف آخر “أخشى أننا وصلنا إلى مرحلة يكون فيها الخطأ التالي هو القشة التي تقسم ظهر البعير، ويمكننا أن نرى مجتمعاتنا تهاجر إلى منصات أخرى”.

 

حرب ضروس

وبالفعل، كثف فيسبوك من حربه على الحسابات والصفحات الفلسطينية، مع صعود جوردنا كوتلر، فقد بادرت الشركة بحذف أعداد كبيرة من المتابعين للصفحات الفلسطينية ذات الرواج الكبير، وسبق أن أعلن موقع “المركز الفلسطيني للإعلام” أن “فيسبوك” حذف 200 من متابعي صحفته. وقد أقدم “فيسبوك” بحذف صفحة قناة “الأقصى” الفضائية، على الرغم من أنها تعد صفحة “موثقة” وتحمل “الشارة الزرقاء” لمجرد أن إسرائيل قد اتهمت القناة بلعب دور كبير في التحريض على عمليات المقاومة؛ مع العلم أن عدد متابعي القناة قد تجاوز النصف مليون متابع.

 

كما أقدمت الشركة على حذف صفحات صحافيين فلسطينيين، تتهمهم إسرائيل بالتحريض على العنف. فقد حذف “فيسبوك” صفحة الصحافي راجي الهمص، مقدم البرامج الحوارية في قناة الأقصى، ناهيك عن أنها لا تتردد في حذف أية صفحة تحمل صوراً ورموزاً ذات ارتباط بالمقاومة، رغم أن المعطيات بيّنت أن 445 ألف دعوة لممارسة العنف وتعميم عنصريّ وشتائم ضد الفلسطينيّين نُشرت من قبل اليهود أنفسهم في فيسبوك خلال سنة 2017، بمعدل منشور تحريضيّ كل 71 ثانية.

 

وفي سبتمبر 2016، وقّعت إدارة “فيسبوك” اتفاقًا مع وزارة “العدل” الإسرائيلية، يقضي بمراقبة المحتوى الفلسطيني على الصفحات والحسابات الشخصية، رغم أنه وبحسب تقرير إحصائي نشره المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي “حملة”، فإن نحو 82% من “الخطاب العنيف” ضد الفلسطينيين موجود داخل صفحات إسرائيلية عبر “فيسبوك”، وقال تقرير المركز إن صفحات ومجموعات إسرائيليّة يمينيّة تمارس العنف والتحريض ضد الفلسطينيّين “تزدهر” عبر “فيسبوك” على مدار العام، موضحًا أن “فيسبوك” تقوم بالتزامن مع التحريض ضد الفلسطينيين، بحظر وإغلاق عشرات الحسابات والصفحات والمجموعات الفلسطينيّة بحجة التحريض على العنف.

 

ولا تعمل جوردانا كوتلر وحدها، بل ترافقها في رحلة السيطرة على فيسبوك أيضا صديقتها اليمينية نيكولا مندلسون، مسؤولة التسويق والعلاقات في أوروبا والشرق الأوسط وافريقيا بفيسبوك، وأيضا الصحفية الإسرائيلية جويش كرونيكل المصنفة بالمرتبة 85 من بين أهم 100 شخصية يهودية مؤثرة في بريطانيا، وهو ما يؤكدة أن الخطوات التي تقدم عليها “فيسبوك” لا يمكن النظر إليها كخطوات مهنية، بل كخطوات سياسية تهدف إلى تعزيز التنسيق والتعاون مع حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب، وذلك لأبعاد اقتصادية جاءت بعدما طالب أعضاء في البرلمان الإسرائيلي بفرض ضرائب على أنشطة الشركة في إسرائيل، بعد أن تبين أنها تتهرب من دفع الضرائب على عوائد إعلاناتها في إسرائيل من خلال تسجيل أنشطتها هناك على أنها تتم في إيرلندا، وهو ما أثمر في النهاية عن تعيين كوتلر ورفيقاتها.