تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

“إحنا جبنا جول” بهذه الكلمات وصف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي صفقة وصفت بالتاريخية لاستيراد الغاز من إسرائيل لصالح إحدى شركات القطاع الخاص، بعقد وصلت قيمته لنحو 15 مليار دولار.

وبعيدا عن تفاصيل الصفقة وملابسات التوقيع عليها، فإن تصريحات السيسي تثير التساؤلات بشأن “المرمى” الذي وضع فيه السيسي هدفه، وإلى أي حد يتناقض بين هذا “الجول” وتأكيده أن الحكومة المصرية ليست طرفا في الصفقة؟

جبنا جول!

وقال السيسي، في كلمته خلال افتتاح عدد من مراكز خدمة المستثمرين بوزارة الاستثمار، الأربعاء: “استيراد الغاز من إسرائيل القطاع الخاص اللي عمله، والحكومة مش طرف فيه، وما عندناش حاجة نخبيها”.

وأكد أن مصر لديها تسهيلات للتعامل مع الغاز ليست موجودة في الدول الأخرى بمنطقة شرق البحر المتوسط، مشيرا إلى أن استيراد الغاز من إسرائيل “يستهدف جعل مصر مركزا إقليميا للطاقة في منطقة شرق المتوسط”.

وتابع السيسي: “إحنا جبنا جول في تحويل مصر لمركز إقليمي في الطاقة.. صفقة استيراد الغاز من إسرائيل فوتت الفرصة على دول أخرى”.

ولعل الصفقة التي أبرمها السيسي ليست قاصرة على استيراد الغاز من إسرائيل، لكن تمتد إلى 2017، عندما توصلت الحكومة إلى اتفاق مع نظيرتها الإسرائيلية على حل لأزمة قضية التحكيم الدولي بينهما، المتعلقة بتغريم قطاع البترول المصري نحو 1.76 مليار دولار، بسبب وقف تصدير الغاز لتل أبيب.

ووافقت حكومة الاحتلال حينها على تخفيض قيمة الغرامة، مقابل أن تسمح مصر للقطاع الخاص باستيراد الغاز من إسرائيل، بالإضافة إلى فتح باب التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وعلى الرغم من تصريحات المهندس طارق الملا، وزير البترول، بشأن انتظار الوزارة تقديم شركة “دولفينوس” المستوردة للغاز الإسرائيلي طلب الاستيراد للنظر في الموافقة عليه، إلا أن تصريحات السيسي تتناقض مع حديث الوزير ويبدو منها أن الشركة المصرية حصلت بالفعل على الموافقة الرسمية.

ويتطلب استيراد الغاز من إسرائيل حصول الشركات المصرية والأجنبية العاملة في مصر على موافقة من الجهاز القومي لتنظيم سوق الغاز، والذي أُنشئ في أغسطس الماضي بعد صدور القانون الخاص به.

كما يلفت التناقض الأنظار نحو الاتهامات التي وُجهت للسيسي بمحاولة تبرير الصفقة وإلصاقها بالقطاع الخاص، الذي يتخذه ستارا لاستيراده الغاز مجاملة لحليفه رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمة داخلية مستعرة بسبب التحقيقات الجارية لاتهامه بالفساد.

الأمر يعيد إلى الأذهان الصفقة التي وقعها رجل الأعمال العائد إلى مصر مؤخرا حسين سالم لتصدير الغاز إلى إسرائيل قبل ثورة 25 يناير 2011، وما قيل حينها بشكل يتطابق مع ما يروج له السيسي من عدم صلة الحكومة بالصفقة الجديدة، لكن الاتفاق سالف الذكر الذي أبرمه السيسي نفسه وضع دين تسديد مستحقات الاحتلال جراء عدم اكتمال الصفقة الأولى في رقبة الحكومة.

مكايدة سياسية ليس إلا

ويبدو أن تصريح السيسي بشأن إحرازه هدفا وتفويت الفرصة على دول أخرى، يفتح الباب واسعا أمام التكهنات بأن المرمى الذي قصده والدولة التي عناها هي تركيا بلا أدنى شك.

العائد الذي سوف تحصل عليه مصر من الصفقة، باعتبار أن الحكومة ليست طرفا فيها، ينصب على رسوم تكلفة إسالة الغاز المستورد من إسرائيل، عبر وحدات الإسالة التي تملكها الدولة للتمكن من استهلاكه.

علاقة تركيا بالأمر أنها بجانب مصر الوحيدة التي تملك وحدات إسالة للغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط، وعليه فإن القاهرة حرمت أنقرة من الاستفادة بهذه العوائد، وفق رؤية السيسي.

ويعزز من هذا السيناريو، تلك التطورات المتلاحقة التي شهدتها منطقة الشرق المتوسط في سياق الصراع بين دولها على ثروة الغاز الكامنة هناك.

فقبل أيام فقط، اعترضت قطع بحرية تركية طريق سفينة تابعة لشركة “إيني” الإيطالية لاستكشاف النفط التي كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز المكتشف أخيرا في المياه القبرصية، بعد التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين نيقوسيا والقاهرة في 2013.

التصعيد التركي الأخطر في سلسلة الصراع على الغاز، جاء بعد أيام من التحذير الذي وجهته مصر إلى أنقرة من محاولة المساس بسيادتها على المنطقة الاقتصادية الخاصة بها في شرق المتوسط، مشددة على استعدادها للتصدي لأي محاولات.

التحذير المصري جاء كرد فعل على إعلان وزير الخارجية التركى، مولود جاويش أوغلو، أن بلاده تخطط لبدء التنقيب عن النفط والغاز شرقي البحر المتوسط في المستقبل القريب، وكشف في حوار مع صحيفة “كاثيميريني” اليونانية، أن تركيا قدمت طلبًا لرفض اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص عام 2013، والتي بموجبها تنقب كلا البلدين عن الغاز.

إذن لا يعدو الأمر كونه مجرد مكايدة سياسية تمارسها مصر ضد تركيا، في إطار الصراع المحتدم بين البلدين وحالة التوتر التي تشوب علاقتهما، منذ إطاحة الجيش المصري بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013.

باب التطبيع الاقتصادي

ولا يمكن منطقيا تجاوز الحديث عن خلفيات ومآلات تلك الصفقة بمعزل عن قضية التطبيع التي تحتل مكانة كبرى لدى نظام السيسي منذ الإطاحة بمرسي، ويسعى الاحتلال الإسرائيلي دوما إلى تنمية التطبيع مع مصر من مختلف جوانبه، حتى بعيدا عن النواحي السياسية والعسكرية والأمنية.

السفير الإسرائيلي السابق في مصر “إسحاق ليفانون” قال إن العديد من الإسرائيليين يثنون على التعاون الوثيق القائم القاهرة وتل أبيب في المجالين الأمني والعسكري، لكنهم يطالبون بتطبيع العلاقات في المجالات الثقافية والاقتصادية.

وأضاف في مقابلة مع صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية ترجع لفبراير 2016، أن هذا التعاون ربما يكون أقوى تعاون عرفه الجانبان حتى اليوم، مشيرا إلى أن السبب في ذلك يعود إلى الوضع المتهالك والخطير في الشرق الأوسط، بما في ذلك محاربة الجماعات الجهادية في شبه جزيرة سيناء.

وعليه، فإن الصفقة تلعب دورا هاما ومحوريا ربما يكون مجرد بداية، على صعيد تطوير العلاقات التطبيعية بين مصر وإسرائيل في المجال الاقتصادي والتجاري، بعد فشل اتفاقية الكويز التي سبق توقيعها في عهد مبارك في تحقيق ذلك.