تغيير حجم الخط ع ع ع

قد لا يختلف اثنان على عظم مصيبة القتل، فكيف لزوجة أو أم أن تستقبل مثل هذا الخبر على عزيزها، يستوي في الأمر الصالح والطالح، أليست نفسا؟

لكن النظم البوليسية تحرص دائما بأذرعها القمعية ألا تترك أي مساحة للمجتمع في العمل العام والعمل السياسي وحق التعبير وحتى مساحة التعبير الإنساني. تريد تلك النظم أن تتحكم حتى في مشاعر الناس وخضوعها تماما، تريد أن تكون مشاعر الناس خاضعة للقرار البوليسي؛ فتفرح يوم يشاع لها الفرحة ويفتح لها الميادين ويوزع عليها الأعلام والحلوى، وتنعزل وتخاف وتنسحب حين يقررون لها ذلك فلا صوت يعلو فوق صوت العقل البوليسي القمعي.

تحب النظم المستبدة أن يكون لها طقوسا مستمرة في التحية والتطبيل والتزلف والنفاق، تحب أن تسود الرواية الواحدة لأي حدث، والرأي الواحد، والموقف الواحد، بل وربما حتى الزي الواحد.

أتذكر يوم اغتيلت أسماء محمد البلتاجي -الشابة الودودة المثقفة- برصاص قناصة الداخلية، وأتذكر بكاء والد هالة شعيشع – التلميذة البارّة- وهو يردد بألم بالغ كيف تقتل ابنتي بثلاث رصاصات في الصدر بهذه الوحشية من قبل الداخلية!!

في هذه المواقف وغيرها استكثر النظام البوليسي أن يكون ثمة تضامن إنساني أمام بشاعة الجريمة، فانطلقت أبواق الإعلام يمينا ويسارا ليلا ونهارا تدّعي أنها لم تقتل، أو أنها قتلت نفسها، أو أنها إشاعة كاذبة، وتم مشاهدتها مرة في القاهرة ومرة في قطر، بل وتقدمت الأذرع الإعلامية الأمنية في غيها حتى اخترعت شهود عيان يدّعون القرابة والمعرفة؛ ليجبروا الناس على رواية العقل الأمني، رواية يجب أن تسود ليتشكك الناس الذين شاهدوا القتل على الهواء مباشرة، فيسألوا هل المقتولة أمامهم قتلت فعلا؟!

تحدد العقلية البوليسية يوميا عدوها، فهي لا تجلس ساعة بلا عدو، وغالبا ما يكون عدوا عالميا ماسونيا، داخليا وخارجيا، فهو عدوٌ أخطبوط حين يكون مطلوبا من الناس أن تخاف وأن تفوض العقل الأمني البوليسي لحمايته!!، وهو في ذات الوقت عدوٌ ضعيف مرتعش يوصف أحيانا بنفر وقلة مندسة، حين يريد العقل الأمني القمعي البوليسي أن يكون بطلا، وهكذا يُرهِق العقل البوليسي أدواته وأذرعه ساعة بعد ساعة، فهو في الصباح بطل وحكيم وفيلسوف الفلاسفة، وفي المساء مجروح من المؤامرات والتمرد الذي أصبح بالغ الخطورة؛ فيحتاج المزيد من الدعم والتضامن والتفويض أمام خطر حقيقي.

في هذه الحالة كيف ننظر لجهاز الأمن في مصر؟، هل هو جهاز وطني لديه مشكلات داخلية وبحاجة إلى بعض الإصلاحات الهيكلية والمعلوماتية ورفع الكفاءة ومستوى التدريب؟، هل الأزمة أن لديه مركبات ليس فيها أجهزة GPS!!، أم أن الأزمة أكبر من ذلك في الغاية والفلسفة التي يقوم عليها الجهاز؟

نحتاج أن نسأل أنفسنا بوضوح ولا نهرب من الإجابة التي نعرفها، بماذا يكلف النظام البوليسي القمعي هذا الجهاز؟ وما الأهداف العليا التي يضعها ويحددها له؟ وما هي الأولويات التي يحددها لها رأس النظام الحالي له؟

هل هي أولويات تتعلق بمكافحة العصابات وجرائم السرقة والقتل وتجارة المخدرات واختطاف الأطفال وسرقة الأعضاء؟

هل هي أولويات تتعلق بحماية الناس والشعب من الخطر وترتكز على تقوية النسيج الداخلي؟، أم أن أولويات الجهاز هي صناعة الخطر حتى يخاف الجميع؟

هل لو تطورت القدرات الأمنية -وهي التي تحصل على الحصة الكبرى من ميزانية البلاد ومن قوت الشعب المصري مقارنة بكل القطاعات تقريبا- سيكون الناس في أمن وأمان وحالة أفضل؟

لقد أمّم النظام القمعي في مصر السياسة تماما، ولم يبق أي تنافس سياسي -ولو بقوانين ظالمة أو مقيدة-، لم يترك النظام البوليسي الأمني أي رأيٍ مخالف له، ولم يفتح أي مساحة للتنافس من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي، وبالتالي جعل مهمة الأجهزة الأمنية –حصرا- أن تكون مُسخّرة لخدمته، وخدمة رغباته وأولوياته في القمع والتخويف، فتقتل وتغتال باسم النظام والدولة، وتعذّب وتشوه باسم النظام والدولة، وتطارد وتحاصر وتدمر وتهجّر باسم النظام والدولة، ولا تزال تريد المزيد حتى تكون أكثر كفاءة في القمع والقتل والتعذيب والتدمير والتخويف دون أي عقبات تذكر.

في بلد تعداده تجاوز ال٩٠ مليون، وعامرٌ بالكفاءات والخبرات والأفكار المختلفة، وجرّب نسمات الحرية واستشعر عظم قيمة الكرامة، لا يمكن أن يظل راكعا خاضعا طوال الوقت، كثيرون سيظلون يفكرون في مواجهة هذا النظام وإسقاطه، اختار النظام ألا تكون المنافسة فوق الأرض؛ فأغلق كل المسارات المعلنة، واختار النظام أن تكون مواجهته عنيفة، فحاصر كل السلميين، وجرّم الهتاف، واعتبر التظاهر إرهابا وإخلالا بالأمن القومي.

إذن فلا سبيل إلا التمرد. لم يختاره أحد، ولا يريده أحد، وسيفتح على مصر أبواب الجحيم.

النظام يريد العنف، ويريد القتل، ويريد الإرهاب، ويريد المعارك المسلحة، وسيكتوي بنيرانها مع تطورها واستمرار غروره القمعي.

لم يعد واجبنا مصمصة الشفاه أو الهروب إلى مثاليات أو أحلام وأماني، بل واجبنا أن نوحد البوصلة، فإما أن تكون بوصلتنا واضحة؛ تجعل الأزمة الحقيقة هي النظام وطبيعته وليس إصلاح أذرعه، فأذرع القمع لن تكون أجهزةً للأمن، وكلما تطورت الأذرع في الخبرات والأسلحة والمعدات، استأسدت أكثر في قمع الشعوب وإخضاعها، ومّكنت المستبد من البقاء وقتا أطول.

وواجبنا ألا نكون “شعاراتيين” ولا “جعجاعين” ولا محلقين في عالم خيالي يستفيد منه نظام القمع في مزيد من التمدد والهيمنة على الواقع، وألا ننصاع لهالة مشاعر الموجهة من قبل النظام القمعي وحاجته لدعم جهازه القمعي البوليسي والتضامن معه ومواساته وصدق أحمد شوقي:

” بلّغ الثعلب عني عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن دخل البطن اللعينا

أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا

مخطئٌ من ظنّ يوماً أنّ للثعلب دينا “

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.