تغيير حجم الخط ع ع ع

 

نشرت صحيفة “لوريان لو جور” الناطقة بالفرنسية تقريرا عن فاجعة مستشفى الحسين بمدينة الناصرية جنوب العراق، بعدما طاردت ألسنة اللهب مرضى فيروس كورونا، مخلفة عشرات القتلى الذين قضوا حرقا نتيجة انفجار 3 أسطوانات أوكسجين.

وقالت الصحيفة: إنه كابوس لا نهاية له بالنسبة للعراق، فالعديد من مقاطع الفيديو المنشورة على الشبكات الاجتماعية تشهد على حجم الكارثة، وتكشفت مشاهد الذعر الذي ساد المنطقة طوال الليل، حيث حاول السكان إجلاء المرضى من الجناح المحترق.

وذكرت أن الحريق اندلع، مساء الاثنين، في قسم لعلاج مصابي فيرس كورونا المستجد يضم 70 سريراً في مستشفى الحسين وأسفر عن مقتل 64 شخصا.

ونقلت عن جان إيه كالابريس، الباحث في معهد الشرق الأوسط القول: “أحد الاحتمالات لتفسير الحريق هو أنه لم تكن احتياطات السلامة وبروتوكولات الطوارئ في مكانها الصحيح أو لم يتم اتباعها بدقة.”

وأضاف “مع ذلك، ربما تكون أفضل طريقة للنظر إلى هذا الحدث المأساوي هو مشاهدته في سياق النظام الصحي العراقي الذي يعاني من نقص الموارد والموظفين”.

ويعتبر هذا الحدث كارثة بالنسبة للعراقيين لأنه جاء بعد حريق مماثل في أبريل/ نيسان في وحدة العناية المركزة لمرضى فيروس كورونا المستجد في مستشفى بغداد، حيث لقي أكثر من 80 شخصًا مصرعهم في المأساة التي نُسبت أيضًا إلى انفجار اسطوانات الأكسجين.

وقال الرئيس العراقي برهم صالح في تغريدة: كارثة مستشفى الحسين وقبله مستشفى ابن الخطيب ببغداد، نتاج استمرار الفساد وسوء الإدارة الذي يهمل حياة العراقيين ويمنع إصلاح المؤسسات”.

وأعربت المحللة السياسية حفصة حلاوة على حسابها بـ”تويتر” عن أسفها على المرضى الذين يتم نقلهم إلى المستشفى لتلقي الرعاية من قبل العاملين الصحيين الذين يضحون بأنفسهم للمخاطرة بحياتهم كل يوم حرفيًا بسبب الفساد. 

ولم يترك الحريق الذي اشتعل مساء الاثنين الماضي 16 يوليو/ تموز أي فرصة للمرضى وزوارهم من أجل النجاة، فالدمار كان شاملا، حيث انهار كل شيء وسادت الفوضى في المكان، رغم محاولة رجال الإطفاء لساعات السيطرة على النيران وهرع مئات السكان إلى مكان الحادث في محاولة لإجلاء المرضى المحاصرين.

ويؤكد هشام السومري، الناشط الشاب الذي جاء للمساعدة في الليل: “كنا نسمع صراخ الناس ولكن لم يكن باستطاعتنا فعل”.

 

جنازات وغضب

ووفقا لـ “لوريان لو جور”، فقد شهدت جنازات العديد من الضحايا –لم يتم التعرف عليهم جميعًا وفقًا للمشرحة – توترًا شديدًا، حيث عبرت العائلات عن غضبها ضد الفساد.

وقال أحد المواطنين ويدعى أبو نور الشاوي، الذي فقد عددًا من أفراد عائلته: “لقد جاؤوا إلى هنا للعلاج وهم يغادرون في توابيت”، مضيفا وهو محاط بالعشرات من السكان الذين جاؤوا لمشاهدة الكارثة “هذا المكان لم يكن مناسب حتى لإيواء الحيوانات”.

أما عدي الجابري، الذي فقد أربعة من أقاربه في الحريق “لا يزال الوضع على حاله، كل يوم نفس الشهداء، نفس المآسي. في هذا البلد، تحترق مستشفيات الفقراء”.

وبينما كان يتم دفن الضحايا اشتعلت الاحتجاجات في مدينة الناصرية التي كانت واحدة من بؤر الانتفاضة الشعبية أواخر عام 2019 ضد الفساد وإهمال الحكومة.

وأغلق العشرات من السكان مداخل عدة مستشفيات، ملوحين بلافتات “مغلق بأمر الشعب”، مطالبين بنقل المرضى إلى منشأة جديدة تضم أكثر من 400 سرير، بنتها تركيا وافتتحها رئيس الوزراء في يونيو/ حزيران الماضي لكنها غير مستخدمة لسبب غير مفهوم. 

وعقب الاحتجاجات أمرت السلطات بنقل جميع المرضى من مستشفى الحسين إلى المنشأة الجديدة لإفساح المجال لمرضى فيروس كورونا المستجد، وأقيل مدير مستشفى الحسين ورئيس السلطات الصحية الإقليمية بأوامر من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لكن هذه الإجراءات تعتبر غير ذات أهمية. 

هذه الحادثة أثبتت مرة أخرى، عدم قدرة السياسيين على إدارة البلاد، فوفقا لياسر البراك، الاستاذ بجامعة ذي قار “نحن ننتقل من مأساة إلى مأساة.. وضع العراقيين يزداد سوء يوما بعد يوم ولا أحد يخضع للمساءلة”.

 

نقص التمويل

ويقول جون إيه كالابريس، إن قطاع الصحة العراقي لم ينهار فجأة، وأن هشاشته كانت نتيجة ثلاثة عقود من الصراع، والعقوبات الدولية، والإهمال – بما في ذلك نقص التمويل – والفساد. 

وبالفعل في عام 2019، خصصت الحكومة العراقية 2.5٪ فقط من ميزانية الدولة البالغة 106.5 مليار دولار لوزارة الصحة، بينما تلقت قوات الأمن ووزارة النفط على التوالي 18 و13.5٪ من الأموال.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، على مدار العقد الماضي، كان إنفاق الحكومة العراقية على الرعاية الصحية للفرد أقل بكثير من جيرانها: 161 دولارًا لكل مواطن سنويًا في لمتوسط، مقارنة بـ 304 دولارات في الأردن، و649 بلبنان.

كذلك ينعكس قلة الاستثمار على الوضع الحالي للمستشفيات، “فعدد أسرة المستشفيات في العراق اليوم أقل بكثير مما كان عليه قبل أربعة عقود (في بداية الحرب العراقية الإيرانية)، كما يبين جان إيه كالابريس.

ويشير إلى أن “تطوير البنية التحتية الصحية ومجموعة المهنيين الصحيين لم يواكب النمو السكاني الذي وصل إلى ما يقرب من 40 مليون نسمة”.

ويضاف إلى هذا الوضع المقلق عواقب الوباء، تتابع الصحيفة، فمع تسجيل 8429 حالة إصابة جديدة بكوفيد-19 كل يوم، لا تزال معدلات الإصابة في ذروتها، فمنذ تفشيه أحصى العراق 17592 حالة وفاة مرتبطة بفيروس كورونا. 

وإذا كانت الحكومة اتخذت، منذ الأشهر الأولى، تدابير وقائية من خلال فرض حظر التجول وإغلاق العديد من المؤسسات، فقد ثبت أن بعض الإجراءات غير فعالة، كما أن حملة التطعيم التي انطلقت في بداية شهر مارس/ آذار الماضي، لم تؤت ثمارها بعد.

وخلص الباحث في معهد الشرق الأوسط إلى أنه في ظل انعدام ثقة السكان بالسلطات والنظام الصحي “من المرجح أن تكون التداعيات السياسية لهذه المأساة فورية وبعيدة المدى أكثر من أي تغييرات يمكن أن تجريها الحكومة لتقوية نظام الرعاية الصحية المتداعي، حيث تلقي الشخصيات والفصائل اللوم على بعضها البعض في مواجهة الغضب العام”.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا