يكشف الدمار الواسع والوحشي الذي ألحقته آلة الحرب الصهيونية بالأراضي الزراعية والأشجار المثمرة في قطاع غزة عن أبعاد وخلفيات إجرامية تتجاوز الخسائر المادية المباشرة؛ حيث يجمع الخبراء والمراقبون على أن استهداف الاحتلال المتعمد لمقومات الإنتاج الغذائي يندرج ضمن استراتيجية فاشية تهدف إلى “هندسة الجوع” وتجفيف منابع البقاء لإخضاع الشعب الفلسطيني وتعميق تبعيته المطلقة للمساعدات الخارجية. ورصد تقرير ميداني أعده مراسل الجزيرة، غازي العلول، من قلب مدينة غزة، جانباً من الكارثة التي حلت بالقطاع الزراعي عبر قصة المزارع أبو فارس، الذي بات يستعين بصور قديمة في هاتفه المحمول ليتذكر أرضه في منطقة “الشيخ عجلين” قبل أن تحولها جرافات الاحتلال إلى بقعة قاحلة، بعد أن كانت لآلاف العائلات مصدراً رئيسياً للرزق والغذاء بفضل كروم العنب وأشجار التين والمحاصيل الموسمية الوفيرة.
ولا تشكل مأساة أبو فارس إلا نموذجاً مصغراً لواقع مرير يعيشه آلاف المزارعين الذين يصرون على التمسك بأراضيهم المدمرة ومقاومة آثار الإبادة؛ حيث أكد المزارع أبو محمد أن المنطقة فقدت قدرتها الإنتاجية بالكامل جراء التجريف الممنهج، وسط صعوبات بالغة يواجهونها في توفير المياه الصالحة للري ونقلها للحقول. وتتزامن هذه المعاناة مع أزمة خانقة في مدخلات الإنتاج الأساسية نتيجة الحصار الصارم والمستمر منذ عام 2007، والذي تفاقم بصورة مرعبة خلال الحرب الحالية، حيث تمنع سلطات الاحتلال دخول الأسمدة، والبذور، والمبيدات، والمعدات الزراعية، وتستهدف المزارعين بشكل مباشر بالنيران أثناء عملهم، مما أدى إلى تراجع المساحات المزروعة إلى أقل من 15% من قدرتها المعتادة وفقاً لبيانات وزارة الزراعة بغزة.

أرقام صادمة تترجم همجية السحق الصهيوني للسلة الغذائية
وتكشف الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة عن حجم الهولوكوست الزراعي الذي نفذه الاحتلال الغاشم؛ إذ أقدمت آلياته وجرافاته على تدمير أكثر من 94% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع، البالغة مساحتها نحو 178 ألف دونم، مما تسبب في انهيار كارثي للإنتاج الزراعي المحتلي ليغرق من 405 آلاف طن سنوياً إلى نحو 28 ألف طن فقط. وأكدت تقارير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن المساحات الصالحة والمتاحة للزراعة انكمشت إلى أقل من 5% بعد الحرب، نتيجة تحويل معظم الحقول إلى مناطق عسكرية مدمرة أو يتعذر تماماً الوصول إليها بفعل الاستهداف الأمني المتواصل.
وفي قراءة علمية وتحليلية لأبعاد هذه الجريمة المنظمة، أكد الدكتور فاضل الزعبي، خبير الأمن الغذائي والمستشار الإقليمي للسياسات في منظمة “الفاو”، أن ما حدث في غزة ليس مجرد أضرار جانبية ناتجة عن العمليات العسكرية، بل هو استهداف صهيوني مباشر ومدروس لمنظومة الغذاء بأكملها. واستند الزعبي إلى بيانات موثقة بالأقمار الصناعية تثبت تضرر وتدمير 87% من الأراضي الزراعية، و87% من الآبار، و80% من البيوت المحمية، مما أدى إلى شل قطاع حيوي كان يوفر سبل العيش لنحو 560 ألف نسمة، وتحويله إلى قطاع عاجز عن الإنتاج بفعل سياسة الأرض المحروقة.
تجفيف مقومات البقاء البشري وصناعة التبعية الغذائية القسرية
وأوضح الخبير الدولي أن نمط التدمير الإسرائيلي شمل بشكل دقيق الآبار، وشبكات الري، ومخازن الحصاد، والثروة الحيوانية، والأشجار المعمرة؛ حيث جرى اقتلاع وتدمير نحو 3.8 ملايين شجرة مثمرة (قرابة 4 ملايين شجرة)، من بينها نحو 1.6 مليون شجرة زيتون معمرة تحتاج إلى عقود طويلة لاستعادة إنتاجيتها وهويتها التاريخية. وشدد الزعبي على أن الهدف الحقيقي من وراء هذا التدمير الشامل هو “تجفيف مقومات البقاء” للشعب الفلسطيني على أرضه، ودفع السكان مجبرين نحو الاعتماد الكلي على سلال المساعدات الإغاثية، وهو ما يمكن تسميته بـ “صناعة التبعية الغذائية الممنهجة” عبر إعدام أي قدرة محلية على الإنتاج والاكتفاء الذاتي.
وفي موازاة هذا الحصار والتدمير الصهيوني، تواجه جهود التعافي الزراعي خذلاناً دولياً وعقبة تمويلية هائلة؛ فرغم إطلاق منظمة “الفاو” نداءً عاجلاً لتوفير 75 مليون دولار لدعم المزارعين بالبذور، والأعلاف، ومعدات الري الأساسية، إلا أن حجم التمويل المتحقق من المانحين الدوليين لم يتجاوز 10% من المبلغ المطلوب حتى الآن. ويعزو المراقبون هذا العجز إلى تراجع أولويات القوى الدولية في ظل أزمات عالمية متلاحقة وتواطؤ مستمر يغض الطرف عن الجريمة البيئية والإنسانية في غزة، ليبقى المزارع الفلسطيني وحيداً في الميدان، يصارع بآبار خارجة عن الخدمة وحقول بلا أشجار، مراهناً فقط على جذوره الممتدة في الأرض لاستعادة أمنه الغذائي المنهوب بفعل الإجرام والتوحش الصهيوني.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين