فضحت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، طبيعة الاستراتيجية الإجرامية والتخريبية التي تنتهجها دولة الإمارات العربية المتحدة في المنطقة، والقائمة على إشعال وتغذية الحروب بالوكالة لفرض نفوذها التوسعي. وجاءت هذه الانكشافات بمثابة أول إقرار علني ورسمي من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطبيعة التدخلات الأجنبية الخبيثة في السودان، حيث وصف روبيو الحرب الدائرة هناك بأنها “حرب بالوكالة”، مؤكداً بوضوح أن أبوظبي والرياض تقفان على طرفي نقيض في هذا الصراع الدامي، ومشيراً في جلسة استماع علنية بالكونغرس الأمريكي إلى أن الأزمة السودانية جرى تحويرها عمداً من قِبل قوى إقليمية لتتحول إلى ساحة تصفية حسابات ونفوذ على حساب دماء وأرواح المدنيين السودانيين العزل.
وتمثل تعليقات وزير الخارجية الأمريكي تحولاً استراتيجياً ينقل النقاش حول الدور التخريبي الإماراتي من دائرة التكهنات الصحفية إلى مستوى الاعتراف الدولي الرسمي برعاية الإرهاب والميليشيات؛ فبينما ركزت النقاشات العامة لسنوات على المواجهة الميدانية بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات قوات الدعم السريع المتمردة، جاء الموقف الأمريكي ليميط اللثام عن الصراع الجيوسياسي الأوسع الذي تقوده أبوظبي، كفاعل محوري تسبب في إطالة أمد الأزمة وتعقيدها وتحويل السودان من أزمة سياسية داخلية يمكن حلها إلى أحد أكثر الصراعات تدميراً ودموية في القارة الأفريقية والشرق الأوسط.

هندسة الفوضى وتشييد شبكات مسلحة خارج نطاق الدولة السودانية
ووثقت تحقيقات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية مراراً كيف حوّلت أبوظبي الأراضي السودانية إلى منصة وقاعدة خلفية تسعى من خلالها إلى بسط سيطرتها وتوسيع نفوذها عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي؛ إذ بدلاً من الانخراط في المسارات الدبلوماسية الشفافة، برزت الإمارات كمهندس لبنية الفوضى والسلاح عبر إقامة علاقات تمويل وتسليح مشبوهة مع جهات مسلحة وفصائل إرهابية وشبكات تهريب تعمل خارج نطاق مؤسسات الدولة الشرعية. وحوّلت هذه الشبكات التابعة لأبوظبي السودان بمرور الوقت إلى مجرد “أصل استراتيجي” وأداة وظيفية ضمن مشروع إماراتي أوسع يهدف للتأثير على طرق التجارة العالمية، وتأمين السيطرة على الممرات المائية الحيوية، وتعزيز المتمردين لنهب ثروات البلاد ومواردها الطبيعية.
وتشير عمليات الرصد الأممية والتقارير الحقوقية إلى أن هذا التدخل الإماراتي الفج أسهم بشكل مباشر في تغذية وتثبيت مراكز قوى متنافسة ومتمردة، مما أدى قسراً إلى إجهاض كل فرص الوصول إلى تسويات سياسية أو تفاوضية، وإدامة الجمود العسكري الذي يطحن الشعب السوداني. وكانت العواقب الإنسانية لهذه السياسة الإماراتية كارثية ومروعة بجميع المقاييس؛ حيث تسببت الحرب في نزوح ملايين المواطنين، وتدمير كامل للبنية التحتية والمنشآت الحيوية، وتسارع الانهيار الاقتصادي والمؤسسي، فضلاً عن انتشار المجاعة وانعدام الأمن الغذائي في مناطق شاسعة تحولت عائلاتها إلى رهائن لميليشيات تعكس حساباتها العسكرية رغبات وأجندات حكام أبوظبي أكثر مما تعكس أي خلاف داخلي.
نهج المزرعة والابتزاز: قنوات غير مباشرة لتعظيم المكاسب والهروب من المسؤولية
ويأتي الدور الإماراتي التدميري في السودان ليتسق تماماً مع نمط سلوكي وإقليمي أوسع ظهرت ملامحه في عدة جبهات مشتعلة خلال العقد الماضي، امتداداً من شمال أفريقيا إلى ممر البحر الأحمر؛ حيث باتت السياسة الخارجية لأبوظبي تعتمد بشكل كلي على تشييد الهياكل الميليشياوية والشراكات الأمنية الموازية وآليات الحرب بالوكالة، بهدف تعظيم مكاسبها الجيوسياسية والاقتصادية مع محاولة الهروب من المساءلة السياسية والجنائية المباشرة أمام المجتمع الدولي. وقد وجد هذا النهج الفاشي في التشرذم السياسي والموقع الاستراتيجي للسودان بيئة خصبة للتغلغل، مما أسفر عن تدويل النزاع وربط مصير ومستقبل الشعب السوداني بأجندات وصراعات نفوذ تمتد خلف الحدود.
وفي الخلاصة، فإن اعتراف واشنطن الصريح بطبيعة هذه الحرب بالوكالة يفسر بوضوح سر تعثر وصعوبة تحقيق أي نتائج مستدامة عبر المبادرات الدبلوماسية المتكررة؛ إذ لم يعد التحدي مقتصراً على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المحلية، بل بات يتطلب كبح جماح وتجفيف منابع الدعم المالي والعسكري الذي تضخه الإمارات للمتمردين. وبالنسبة للمدنيين السودانيين، فإن هذا الانكشاف الأمريكي الرسمي للسياسة الإماراتية يأتي بعد سنوات من المعاناة والألم وتجرع ويلات واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، ليؤكد للعالم أجمع أن لجام الفوضى في أفريقيا والمنطقة يبدأ من مواجهة وتعرية الأنظمة الوظيفية التي تقتات على دماء الشعوب وتدمير الأوطان لخدمة أطماعها الشخصية الصغرى.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين