تغيير حجم الخط ع ع ع

“حمار الرحى يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه”، أتذكر هذه المقولة الصوفية لابن عطاء السكندري حين أسمع حوارات مواجهة الاستبداد تدور في حلقات مفرغة، تبدأ من نقطة لتنتهي إليها، دون أن تمر الشعارات والأحلام والأماني عبر بوابة: كيف يمكنك أن تفعل ذلك وتنجح؟

يمكن لمن تعرض للقمع والقتل والمطاردة ورأى التصفيات والتعذيب الوحشي، أن يهرب من فكرة جدوى العمل السلمي إلى ضرورة مقابلة القوة الوحشية بقوة أخرى؛ من باب الثأر أو الانتقام أو دفع الظلم أو لكل فعل رد فعل أو أنه لا عدالة إلا بقوة تحققها وتحميها، وآخر يرى أن القتل والدمار من أجهزة القمع والاستبداد والإجرام والوحشية، هي جيوش نظامية، لديها موارد وشرعية مزعومة، ولديها الموارد والقدرات والخبرات وشبكات الدعم؛ مما يجعل تحديها بالقوة أمرا مستحيلا، ويجعل الخسائر أكبر بكثير من المقاصد المرجوة.

لا يمكننا أن نفكر ونناقش بشكل موضوعي إذا ظللنا نفكر ونتحدث بلغة ردود الأفعال الجزئية، بل نحتاج إلى البحث عن حلول وتغيير عملي وليس خيالا متوهما، فنبتعد عن اللغة الصماء وحوار الطرشان وحمار الرحى، نحتاج السؤال عن الكيفية التي تترجم الحقوق والعدالة والإرادة إلى فعل، فالسلمية والعنف وصف وليس استراتيجية، فلو كان الحوار بين مشاريع واستراتيجيات واضحة المعالم ترتكز على فهم النظام بدقة وشبكات دعمه وموازين القوى والقدرات، وتقيّم ما سيعود الناس، لكان الحوار أكثر ثراء وفائدة.

أضرب مثالين، الأول من الهند -حين كانت تحت الاحتلال البريطاني ١٨٧٥- كمثال بسيط حيث لا يتسع المقام للبسط والشرح، وهو مثال فج في المقاومة السلمية أو اللاعنيفة في مواجهة احتلال صريح، فهناك احتلال ليس فيه شبهة الشرعية أو التستر خلف وطنية مزعومة زائفة، وهناك غاندي الذي ابتكر أسلوبا واستراتيجية لمواجهة البريطانيين منذ عام ١٩٢٠، -وليس خطبا ولا مزايدات- ومن ذلك:

  • أنه غير قادر على مواجهة الاحتلال البريطاني عسكريا.
  • أن هناك حركات مقاومة لم تستطع أن تحقق نجاحا عمليا على الأرض.
  • أن الاحتلال البريطاني يركز على السيطرة على البلاد ومفاصلها ويعتمد على الاستنزاف الاقتصادي من خلال نجاحه في إخضاع الشعب الهندي له.
  • أنه يمكنه التحرك والتأثير في الهنود الأكثر عددا مقارنة بجيش المحتل.
  • أنه إذا تمكن من النجاح في ابتكار أساليب تجعل الهنود غير منصاعين ومستجيبين للاحتلال، يمكن أن يهتز الأساس الذي يعتمد عليه الاحتلال اقتصاديا ويُجبره على التفاوض.

لم يعبر حديث غاندي عن رفضه للعنف حديثا مملا ولا سجالا عشوائيا، ولكنه فعلٌ وتأثيرٌ على الأرض جاب به البلاد- بغض النظر اتفقت معه أو اختلفت-، وفهم النظام الذي يواجهه، وقدّر موازين القوى ونقاط القوة والضعف، وسعى باستراتيجية عملية وأساليب مبتكرة قادرة على التأثير فعلا لا كلاما –بغض النظر عن تقييم النتائج التي حققها-، ومنها حملات التأثير الاقتصادي ومواجهة الضرائب البريطانية، فسلعة هندية مهمة كالملح مثلا؛ يعتمد عليها البريطانيون اقتصاديا في تصديرها خارج الهند مع فرض ضريبة عالية على الهنود ومنعهم من استخراج الملح بأنفسهم، جعل غاندي منها هدفا وحملة لتحدي البريطانيين واستخلاص الهنود للملح بأنفسهم -ولو بطريقة بدائية-، كذلك أطلق حراكا فعّالا شعبيا بحملات أخرى مثل حملة مقاطعة الملابس البريطانية وتكبيدهم خسائر كبيرة مقابل الخسائر التي كبدوها للاقتصاد الهندي وغير ذلك.

المثال الثاني من ايرلندا، حيث محاولات التحرر عبر ثورات مسلحة؛ تسعى لنيل حريتها واستقلالها من البريطانيين، والتي كانت تنتهي بالفشل في النهاية أبرزها فشل ثورة ١٧٩٨ وثورة ١٩١٦؛ بسبب قوة البريطانيين الباطشة والحاسمة، وحجم الدمار الذي خلفه البريطانيون على المدنيين لحسم المعارك تماما ورفع كلفة التفكير في المقاومة، فإذا عاودوا الكرّة انتهى بهم المطاف بين مقتول أو على حبال المشانق أو معتقل أو مطارد.

أحدث مايكل كولنز فارقا في المقاومة الأيرلندية، حيث سعى بحنكته وقدراته لعدم اجترار الماضي بنفس الطريقة -التي قد تريح الضمير وتشعرك بعظم التضحية أو الثبات على الدرب دون أن تصل بك إلى هدفك-، فسعى كولنز لفهم أعمق للنظام الذي يواجهه، ومما وجده أن أكثر ما يرتكز عليه البريطانيون هو الجهاز الأمني الأيرلندي البوليسي، يتفوق على المقاومة بالتخفي خلف الوطنية، ويمتلك قدرات كبيرة في التتبع وزرع العملاء والتفوق المعلوماتي؛ مما يسهل عليه بث الفتن، وضرب المؤثرين والفاعلين، والتنكيل بهم وتعذيبهم، وبث الخوف في الناس، وإحباط القدرات باستمرار، تحت ستار مخادع، أنهم ليسوا البريطانيين المحتلين، غير أنهم في الحقيقة من يمكّنون لهم ويسيرون بتوجيهاتهم وأوامرهم، لذا مما ارتكز عليه كولنز:

  • ضرورة التفوق المعلوماتي على جهاز الأمن والقمع البوليسي.
  • شل قدرة الجهاز على الحركة أو كسره بحيث يجعل البريطانيين في حالة عمى لا يرون الثوار ولا يعرفون كيف يفكرون، مع تطوير أساليب جديدة في الضغط والاستنزاف.
  • وأخيرا إجبار البريطانيين على الانسحاب أو التفاوض من أجل تحقيق مكسب سياسي.

الهدف من المثالين السابقين هو ان واجبنا أن نتحدث بلغة العقول والوعي والاستراتيجيات المحددة، وليس عن وصف فضفاض وكلمات بلاغية أو عنترية، فالتغيير ليس أمنية يمكن أن تتمناها مع مصباح علاء الدين الذي سيقول لك سمعا وطاعة.

وصدق المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان … هي أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة …  بلغت من العليـاء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانـه … بـالرأي قبل تطاعن الأقران

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.