تغيير حجم الخط ع ع ع

 

 

تنشر بعض وسائل الإعلام العربية مقالات تساوي بين حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ودولة الاحتلال الصهيوني. في الواقع، بعض هذه الوسائل الإعلامية تجعلك تشعر وكأن حماس هي الاحتلال، وأن الاحتلال هو الطرف الجيد الصالح المظلوم.

لو تفحصنا ما كتبه كتّاب عرب مدعومون من أنظمة عربية تدعم التطبيع المفتوح، سنجد أن العديد من الكتابات مبسّطة، ذات ميول سطحية، غير مدركة لطبيعة الوضع في فلسطين أو غزة أو طبيعة المواجهة مع الصهيونية. هؤلاء الكتاب لهم حرية الكتابة بالطبع، لكنهم يعيشون في عالم صنعته مخيلتهم، معزول تمامًا عن الوضع على الأرض في الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي.

 

خدمة للصهيونية..

إن تبسيط تاريخ الصراع مع الصهيونية وجعله سطحيًا يمكن أن يتحول بقصد أو بغير قصد إلى خدمة للصهيونية. العنصرية التي تتميز بها خطابات ولغة بنيامين نتنياهو وقادة إسرائيل هي ما يميز بعض الكتاب العرب اليوم. هم بالتأكيد أحرار في الكتابة، لكن الخداع في تقديم خطاب العدو لن يساعد لأنه سينكشف قريبًا. 

خذ على سبيل المثال كيف كشفت الأحداث الأخيرة حول الأقصى وغزة وبقية فلسطين هشاشة خطاب العدو ومكانته. في بعض الحالات تجد أن ما تقرأه من كتاب عرب ومسلمين مطابق لتصريحات اليمين الإسرائيلي. بالتأكيد هناك شيء خاطئ عندما تجد أن العبارات التي كتبها الكتاب العرب عن المقاومة وحماس متساوية ومتطابقة مع تلك التي تصدر عن إسرائيل واليمين الإسرائيلي. هذا يثير الكثير من الأسئلة والشكوك على أقل تقدير.

 

بشرة عربية، وأقنعة صهيونية..

إن تبني خطاب العدو ليس بالأمر الجديد. في فيتنام، في ذروة تحريرها، وفي الجزائر، في ذروة معركتها ، كانت الأصوات الأقرب إلى صوت العدو تظهر دائمًا. ركزت هذه الأصوات على تقليل ثقة الناس بأنفسهم وفي الأسباب التي ناضلوا من أجلها. 

تعكس هذه المواقف وجهة نظر تحتقر الجماهير وحقوقها وتمجد القوة والتماهي مع الغرب والاستعمار الاستبدادي. كتب فرانتز فانون كتابًا قيمًا أصبح كلاسيكيًا في تحليل هذه الظاهرة، وأسماه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”. إذا استخدمنا نفس القياس مع الوضع العربي، فسنجد بشرة عربية مغموسة في أقنعة إسرائيلية.

 

 

تطابق مع الاحتلال..

تتطابق هذه المدرسة الفكرية مع إسرائيل والتكنولوجيا والعلوم الإسرائيلية، لكنها تتجاهل العنصرية الإسرائيلية والتطهير العرقي والفصل العنصري السائد في قوانينها وبنيتها. بل إنها تتغاضى عن الظلم الذي تنشره إسرائيل، وتحمل العرب والفلسطينيين مسؤولية الاحتلال والاستيطان. 

إن السعي لعكس مسار الحقائق التاريخية والراهنة لن ينجح في خداع الأمة العربية وشعبها.

 

أين الحقيقة؟

في الحقيقة، حماس هي حركة سياسية وتحريرية نشأت عام 1988 خلال الانتفاضة الثانية. لقد تطورت وتغيرت بمرور الوقت ، لتصبح تعبيرا عن منهجية الكفاح والنضال المسلح في الساحة الفلسطينية. 

منهجية النضال المسلح لم تأت من لا شيء، بل نتجت عن عنف الاحتلال الصهيوني اليومي ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته، والمستمر منذ نكبة عام 1948. 

وكتائب الشهيد عز الدين القسام تمثل قوة عسكرية وطنية لفلسطين، وشبابها هم مقاتلون تاريخيون وأبطال بالنسبة للشعب الفلسطيني. وانضم الشبان الذين انضموا إلى كتائب القسام بسبب قدرتها على إلحاق الأذى بالعدو الذي يحتل أرضهم وينتهك مقدساتهم، وليس بسبب الفكر الإسلامي لحركة حماس.

إن شيطنة حماس التي تهدف إلى طمس إيجابياتها وتضخيم أخطائها عمل مقصود نابع من المخابرات الصهيونية وأجهزتها الخارجية وعملائها في الداخل والخارج. وبالتالي، فليس من قبيل المصادفة أن يتبنى بعض العرب الذين يؤمنون على نطاق واسع بالتطبيع نفس الرؤى الصهيونية الإسرائيلية في شيطنة حماس. 

لكن مراقبين كثير يرون أن ذلك لن ينجح، فحماس جماعة مقاومة استطاعت خلال أسابيع قليلة خلال معركة “سيف القدس” كسر الشيطنة التي عملت مجموعة من العرب على خلقها.

 

حماس رد فعل على الاحتلال..

حماس نتاج طبيعي نشأ كرد فعل غلى الاحتلال الإسرائيلي والنكبة. ويكفي أن نذكر أن 90٪ من سكان غزة هم من اللاجئين الفلسطينيين، وأن حماس عبرت عن رغبة اللاجئين في العودة إلى وطنهم. 

في ظل سعي السلطة الفلسطينية للتفاوض على الأراضي الآخذة في الاختفاء بشكل متزايد، فمن الطبيعي أن تملأ حماس الفراغ بهدف مقاومة العدو وإقامة توازنات جديدة في مواجهة الممارسات الصهيونية الاستيطانية.

إن حملة شيطنة حماس هي حملة لتصوير دولة الاحتلال الصهيوني على أنها دولة مسالمة، بينما هي في الواقع دولة عنيفة وعنصرية أقيمت من خلال اغتصاب وسرقة الأراضي الفلسطينية. تأسست الجامعة العبرية في قلب القدس الغربية على أراض مسروقة من الفلسطينيين، وكذلك جامعة حيفا وعدة جامعات يهودية أخرى. 

للإساءة حدود، ويبدو أن العرب أكثر وعيا هذه الأيام. 

 

النظام المصري نموذجًا..

رغم كل أنواع الشيطنة، أدركت مصر مؤخرًا ضرورة التفاهم مع حماس والتعامل معها كحركة مقاومة قادرة على التأثير في موازين القوى.

ورغم أن النظام المصري ساهم كثيرًا خلال السنوات السبع الماضية في شيطنة حركة حماس ونضالها المسلح ضد الصهاينة، تمامًا كما فعلت وتفعل وسائل الإعلام الإماراتية والسعودية والبحرينية، إلا أنهم أدركوا بشكل واضح أنهم لن يجنو شيئًا من هذه الشيطنة.

فحماس تقاوم بناء على رغبة الفلسطينيين، وهي تحقق آمالهم وطموحاتهم، ولذا فإن تجاهلها لن يكون حلًا بأي حال من الأحوال.

بل إن حماس تداعب آمال وطموحات كل العرب والمسلمين، وليس الفلسطينيين فقط، ولذا، ستظل القضية الفلسطينية وحاملوها ومناصروها والمدافعون عنها والمقاومون في سبيلها حائط سد منيع أمام كل محاولات الشيطنة التي يحاول صهاينة العرب إنشاءها.

ما حدث من النظام المصري تجاه حماس والمقاومة هو تجلِّ واضح لما ذُكر أعلاه من أن محاولة شيطنة المقاومة والنضال المسلح ضد الصهاينة لن يجدي كثيرًا، فكل هذه المحاولات ستبوء بالفشل في النهاية.