تغيير حجم الخط ع ع ع

حين غافلتني الذاكرة وقتما حاولت أن أُوْليّ ظهري قليلًا إلى الوراء ، تهافت صَخبُها حتى كاد السلطان الأصم أن يسمع .

تجمعت ذرات الغبار لتزاحم بعضها فوق بعض الأشخاص ، و تجمعت ذرات الهواء لتُنفض ما تَجمعت حوله غَريمتها الأولى، فتعود صُوَرُهُمْ تَشْتَدُّ على أوْجِهَا و تَوَضُّح.

بعض أُولئك الأشخاص ممن أدين لهم بالكثير ، ممن وهبوا أنفسهم فقط بوجودهم .

ألا يعني الوجود الكثير ؟ .

تظن عبثًا أن هناك ما يستحق الالتفات اكثر ؛ و لكن للوجود يا صديقي مَلمس فضائِيُ آخر .

لابد أن رافقك أحدهم في مرمى الحياة .
ممن يعطون بلا حدود ، و يسخرون من النفس الطويل ما يعجز عنه الأقربون .

يستحوذك أحدهم تحت إحدى مرفقيه رويدًا رويدًا حين يراك تحبو ، و بعينٍ مَدروسة يزرع إيمانه بك حين يَنفَّضْ كل من حولك حتى نفسك.

يطمئن من تجرعك كأس خبراته التي هَلكت عظامه و حفرت بتلابيبها حول جسده .
يرى منك التسرع و الاندفاع ، فلا يكل عن تلقينك التريث و الهدوء ، يراك تخطأ ..
فينبهك في الأولي ، و يوبخك في الثانية ، فحين تَصّح يثني عليك و يمتدحك في الثالثة ، و حين يجد نفسه داخل عينيك لا يكفيه ما شقى ليسعده .

تغضب و تثور و يخرج ماردك الأسود حين تراه يقحمك في أمر ما ، تراه يضغط على زُجاجك المُتهالك الشفاف تحت مَرآى العين بمطرقة من حديد ،
بل و يَتعَمد أن يفلت يديك المتشبثتين بأعلى هاوية ساحقة واحدة تلو الآخري ، و حين تهوى بظنك المحدود أن لا رجوع بل و إنها حقًا الهاوية ؛
تجده يُطَمئنُكْ بأن هذه أولى عثراتك ، لا بد لها أن تحدث ،
لابد لقطع اللحم النيئة أن تصطدم بلهيب النار المُتقد لتنضج ، فينصحك بأن تتمسك ليقوى عودك و يشتد .

تفتقر إلي فهم ما يدور برأسه حينها دائمًا ، ترى منه الأفعال كلوغاريتمات رياضية تُعطى لطالب بالإبتدائية يعلم أنه يصعُب عليه فك شفراتها ، و مع ذلك يُصر على أن يَدْرُسهَا له .

يظل يعطي برحابة صبر بلا هوادة و بلا مقابل ، حتى يُنذره سلطانه بأنه قد حانت ساحات القتال ، فعليه أن يَزج بفلذته ليُصقل ما تجرعه ،
و من ثم يتهامش بنفسه لركنٍ لا يعلم عنه أحد كأن شيئًا لم يكن .

تهامسك نفسك بأن فِعلته عابرة ، حتى ترتطم بإعوجاج طرق المشاه ، فتظل تتخبط بالمنحنيات متململًا هائمًا على وجهك ؛ إلى أن يتلقفك أحدهم من جديد .

نفتقدكم بشدة كلما مَررنا بطيف لذكرى مضت تركت ابتسامة و طبعت أثر ، نفتقدكم كلما مَضينا مُتقطعين في طرق السبيل ضالين لليد المرشدة ،
نفتقدكم كلما واجهنا و عاصرنا من العقبات فوحده ما تجرعناه منكم بعد إرادة الرحمن ما يُنجدنا .

نفتقدكم كلما جلسنا في الأزقة و أروقة الطرقات فتجمعت الأحاديث و حوارات الخيال و أوقات المنام حول ذكراكم و ذكرى أوقاتكم .

طبتم حيثما كنتم .
ستظلوا ما حيينا متملكين الخواطر في لحظات السكون و الدعاء ،
فقد كنتم و ستظلوا : حاملي الأنوار في الممرات المظلمة ..

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.