أعادت التصريحات الأخيرة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، والتي دعا فيها علناً إلى “سحق” الضاحية الجنوبية لبيروت وتسويتها بالأرض، تسليط الضوء على طبيعة الفكر السياسي والعسكري الذي يقود الائتلاف الحاكم في تل أبيب. هذه الدعوات التي تتزامن مع تصاعد حدة المواجهات الجوية والبرية، لا تُمثل مجرد انفعال سياسي أو تصعيد لفظي عابر، بل تعكس امتداداً لبنية أيديولوجية قائمة على محو الحواضن المدنية، واستهداف المنشآت الحيوية كوسيلة ضغط عسكرية وسياسية تضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط.

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن لجوء أركان الائتلاف الحاكم إلى هذا النوع من الخطاب التحريضي المكشوف يعبر عن مأزق بنيوي أعمق يتعلق بعدم القدرة على حسم المعارك العسكرية عبر القنوات التقليدية، والهروب نحو تبني خيارات إبادة جماعية وتدمير شامل للمدن والمناطق السكنية المكتظة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمواجهة هذا التفلت الجيوسياسي.

السحق والتدمير كأسلوب حكم وإستراتيجية معلنة

إن المقطع المصور الذي ظهر فيه بن غفير وهو يطالب رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو بتجاوز الخطوط الحمراء، والتأكيد على أن قتل المئات من المقاتلين يعد أمراً “غير كافٍ”، يكشف عن رغبة عارمة في تحويل العمليات العسكرية إلى مجازر مدنية شاملة. العبارات التكرارية التي استخدمها الوزير المتطرف مثل “علينا أن نسحقها ونسحقها مرة أخرى” تبرهن على أن الهدف الإستراتيجي بالنسبة لهذه العقلية ليس تحييد قدرات عسكرية محددة، بل إلحاق أكبر قدر من الألم بالبنية التحتية والمجتمعية اللبنانية، وفرض واقع جغرافي جديد قائم على الرماد والأنقاض.

هذا التحريض المباشر على تدمير مدينة بأكملها يندرج تحت طائلة جرائم الحرب والتحريض العلني على الإبادة الجماعية وفقاً للمواثيق والعهود الدولية؛ إذ يعكس نية مبيتة لتوجيه الآلة الحربية نحو التجمعات السكانية لتعويض العجز الميداني والاستخباري في ضبط الهجمات الصاروخية ومسيرات استهداف الشمال، وهو أسلوب طالما اعتمده بن غفير في خطابه الداخلي لحشد القواعد الانتخابية اليمينية الأكثر تطرفاً.

تقاطع التطرف: عندما تلتقي المعارضة والحكومة على دماء المدنيين

لم تكن مواقف بن غفير معزولة في الفضاء السياسي الإسرائيلي، إذ سرعان ما تقاطعت مع تصريحات رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب “معاً” نفتالي بينيت، الذي طالب بدوره بأن “ترتجف الضاحية” لضمان أمن المستوطنات الشمالية. هذا التناغم بين قطبي الحكومة والمعارضة يوضح بشكل جلي أن الخلافات العميقة داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية تتلاشى وتندمج عندما يتعلق الأمر باستهداف الشعوب العربية وحواضنها الشعبية؛ حيث يتنافس القادة على تقديم الأطروحات الأكثر دموية وتدميراً لكسب ود الشارع المتعطش لردود فعل انتقامية.

ورغم أن بينيت استغل الحدث للهجوم على حكومة نتنياهو واتهامها بالفشل في إدارة الملف الأمني وتأخرها في إبلاغ المستوطنين بطبيعة التهديدات، إلا أن الحلول التي طرحها لم تختلف في جوهرها الإجرامي عن إستراتيجية بن غفير. هذا التوافق الضمني يثبت أن عقيدة “الكي المالي والعسكري” وتدمير الحواضن المدنية هي عقيدة راسخة لدى النخبة السياسية الحاكمة بجميع تصنيفاتها، وليست حكراً على تيار دون آخر.

خرق التهدئة وتصدع السردية الأمنية للاحتلال

تأتي هذه الموجة العنيفة من التحريض بعد الانهيار الفعلي والعملي لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في السابع عشر من نيسان/ أبريل الماضي؛ حيث تجددت عمليات إطلاق الصواريخ والمسيرات بكثافة نحو المستوطنات الشمالية والقواعد العسكرية الإسرائيلية، مما وضع المؤسسة الأمنية والعسكرية في موقف محرج أمام الجمهور الداخلي.

وقد كشفت التقارير الإعلامية العبرية، ولا سيما القناة الثانية عشرة، عن حالة من التخبط الداخلي عقب اعتراف الجيش بمعرفته المسبقة بنوايا التصعيد من الجانب اللبناني دون تحذير المستوطنين إلا في وقت متأخر من النهار. هذا الفشل في التنبؤ والحماية يدفع القادة السياسيين مثل بن غفير إلى تصدير خطابات متطرفة وشديدة العدائية لامتصاص الغضب الشعبي، وتحويل النقاش من الفشل الدفاعي والاستخباري إلى الوعود بشن هجمات تدميرية كبرى لا تبقي ولا تذر.

الإفلات من العقاب والتواطؤ الإقليمي والدولي

يستمد بن غفير ومعه أقطاب اليمين المتطرف جراءتهم في إطلاق مثل هذه التصريحات والوعود الإجرامية من حالة الصمت الإقليمي والدولي المستمر، والغطاء الشامل الذي توفره قوى دولية كبرى للعمليات العسكرية الإسرائيلية. الإشارات الواضحة التي ساقها بن غفير بشأن احترام الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، مع المطالبة في الوقت ذاته بتجاوز “الخطوط الحمراء” التي تضعها واشنطن، توضح أن القيادة الإسرائيلية باتت ترى في الموقف الدولي مجرد تفصيل بروتوكولي يمكن تخطيه وتجاوزه دون الخوف من تبعات حقيقية أو عقوبات دولية رادعة.

إن هذا السلوك السياسي يؤكد أن منظومة الاحتلال باتت تعمل خارج إطار الشرعية الدولية بشكل كامل، وتعتمد على فرض الأمر الواقع بالقوة المسلحة، مستفيدة من عجز المؤسسات الأممية عن اتخاذ قرارات حاسمة لملف المحاسبة على الجرائم المرتكبة ضد المدنيين في فلسطين ولبنان، مما يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من التصعيد والدمار الإقليمي.

تداعيات التحريض على مستقبل الاستقرار في المنطقة

إن الإصرار على تبني سردية “السحق والتسوية بالأرض” كخيار وحيد للتعامل مع ملفات المنطقة يضع الشرق الأوسط بأسره على حافة هاوية مستمرة من الحروب المفتوحة التي لا تنتهي. الخطاب الذي يقوده بن غفير لا يهدف إلى تحقيق تسويات سياسية أو أمنية مستدامة، بل يسعى إلى إشعال صراع وجودي صفري قائم على الإبادة والتطهير وإعادة رسم الخرائط بالدماء والدمار الشامل.

وفي المحصلة، فإن تصريحات وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير بشأن الضاحية الجنوبية لبيروت تسقط كل الأقنعة الدبلوماسية المتبقية، وتظهر الوجه الحقيقي لمشروع سياسي وعسكري يعتاش على الحروب، ولا يرى في دماء المدنيين وممتلكاتهم سوى وقود لبقائه في سدة الحكم واستمرار مشروعه الإحلالي التدميري في المنطقة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين