نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية (Financial Times) تقريراً تحليلياً استراتيجياً يتجاوز أطر التوصيف الشخصي التقليدي، ليقدم قراءة معمقة في طبيعة التحولات الهيكلية المتسارعة التي تشهدها بنية الحكم والمال في إمارة أبوظبي.
ويسلط التقرير الضوء على المتابعة الدقيقة لدوائر الاستثمار ومراكز صناعة القرار الغربية لعملية الانتقال التدريجي لثقل النفوذ والمصالح السيادية من جيل رئيس الدولة محمد بن زايد وإخوته إلى جيل الابن المرشح والمؤهل لوراثة العرش، مؤكداً أن ولي عهد أبوظبي، الشيخ خالد بن محمد بن زايد (44 عاماً)، لم يعد مجرد واجهة رمزية أو سياسية، بل بات يمسك بزمام ملفات استراتيجية واقتصادية ثقيلة ومتقاطعة على المستويين المحلي والدولي.
وقدمت الصحيفة توصيفاً مهماً يبرز طريقة فهم الدوائر الغربية لآلية إدارة الدولة في الإمارات؛ حيث يتم التعامل مع الشيخ خالد بوصفه “الرئيس التنفيذي” (CEO) الذي يدير العمليات اليومية والصفقات الكبرى، في حين يتولى والده محمد بن زايد موقع “رئيس مجلس الإدارة” (Chairman). هذه الاستعارة الاستثمارية تعكس حقيقة أن نظام الحكم في أبوظبي لا يدار كمنظومة عائلية تقليدية فحسب، بل يتم توجيهه كـ”شركة دولة” عملاقة (State Inc) تعتمد على الصناديق السيادية، وأذرع الطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، وممرات الترفيه والإعلام لبناء النفوذ وفرض واقع إقليمي جديد.

صندوق “لِعماد” البالغ 300 مليار دولار: ذراع مالي جديد للهيمنة الإعلامية والبنية التحتية
كشف تقرير “فايننشال تايمز” عن الصعود الفجائي لصندوق استثماري ناشئ وحيوي يحمل اسم “لِعماد” (L’Imad)، والذي تبلغ قيمته التقديرية نحو 300 مليار دولار، مشيراً إلى أنه يمثل الأداة المالية والمحرك الأساسي الذي صممه محمد بن زايد لدعم صعود نجله خالد في فضاء التمويل العالمي.
وظهرت البصمة الدولية لهذا الصندوق بشكل مثير بعد أن وفر الدعم المالي الكامل لعرض الاستحواذ العدائي الذي قادته شركة (Paramount) بقيمة 108 مليارات دولار لشراء شبكة (Warner Bros Discovery)، وهو ما ينقل ولي العهد الشاب من النطاق المحلي والإقليمي ليدخله مباشرة كلاعب رئيسي في صفقات الإعلام، والترفيه، وصناعة الوعي العالمي.
ولم تتوقف تحركات صندوق “لِعماد” عند قطاع الإعلام، بل أعلن عن شراكة استراتيجية ضخمة مع (BlackRock’s Global Infrastructure Partners) وصندوق (Temasek) السنغافوري بالتعاون مع شركة النفط الوطنية “أدنوك”، لاستثمار 30 مليار دولار في مشاريع البنية التحتية والطاقة في مناطق آسيا الوسطى والشرق الأوسط. هذا التمدد المالي، وفق القراءة التحليلية للصحيفة، يثبت أن أبوظبي لا توظف فوائضها النقدية لتحقيق عوائد استثمارية مجردة، بل تستخدمها بشكل ممنهج كأداة لبناء النفوذ السياسي والجيوسياسي، وشراء الولاءات الدولية عبر السيطرة على قطاعات حيوية وحساسة عابرة للقارات.
موازين القوى العائلية وهندسة الخلافة لتفادي مراكز النفوذ المنافسة
أوضح التقرير أن صعود خالد وتوليه هذه الملفات الحساسة -التي تشمل زيارة بكين ولقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ، واستضافة مديري المصارف الدولية، ومتابعة خطط الطوارئ لدى “أدنوك” في زمن الحرب- لا يجري في فراغ أو بمعزل عن التوازنات العائلية المعقدة؛ بل يأتي ضمن هندسة خلافة دقيقة وضع لبناتها محمد بن زايد منذ تعيين نجله ولياً لعهد أبوظبي ورئيساً للمجلس التنفيذي في عام 2023. هذه الهندسة تضمنت توزيع أدوار ومناصب كبيرة على أعمام ولي العهد لضمان توازن القوى؛ حيث بقي طحنون بن زايد مستشاراً للأمن الوطني ورئيساً لجهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)، وتولى منصور بن زايد منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة شركة “مبادلة”.
ونقلت الصحيفة عن محللين ومراقبين إقليميين إشارات واضحة تفيد بأن هذا التوزيع للأدوار والموارد المالية بين الإخوة والابن قد لا يكون مجرد إجراء إداري بريء أو تنظيم مؤسسي اعتيادي، بل هو آلية مدروسة لاحتواء وتفكيك أي مراكز قوة منافسة أو طموحات سياسية قد تطفو على السطح أثناء عملية انتقال السلطة الفعلي مستقبلاً، مما يضمن تدفق النفوذ بسلاسة نحو النجل المرشح والحفاظ على مركزية القرار في الدائرة اللصيقة برئيس الدولة.
وراثة النموذج في بيئة جيوسياسية ملغومة ومأزق السمعة الدولية
تظهر المؤشرات أن أبوظبي تحاول إعادة إنتاج وتحديث تجربة محمد بن زايد السابقة مع شركة “مبادلة للاستثمار” التي تأسست عام 2002 خلال فترة تهيئته للحكم واستخدمت كرافعة لتحديث الإمارة وتوسيع نفوذها الخارجي بعد عام 2004؛ حيث يتم تقديم صندوق “لِعماد” اليوم ليلعب الدور عينه كمنصة تمكين مالي وسياسي للشيخ خالد.
غير أن التقرير يلفت إلى فارق جوهري وحاسم في البيئة المحيطة؛ فـ”مبادلة” نشأت في زمن صعود العولمة، ووفرة أسواق الطاقة، والغطاء الأمريكي الكامل للخليج، بينما يظهر صندوق “لِعماد” في بيئة إقليمية ودولية بالغة التعقيد والخطورة، تتسم بالتوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين، وارتدادات حرب إيران، والاضطرابات العسكرية المباشرة في المنطقة.
وفي المحصلة، فإن قراءة “فايننشال تايمز” تؤكد أن الرهان الحالي في أبوظبي لا يقتصر على مجرد وراثة داخلية للمناصب، بل هو امتحان حقيقي لقدرة الجيل الجديد على وراثة نموذج دولة المال والنفوذ وإدارته وسط حقل من الألغام الجيوسياسية؛ فصراع أروقة الحكم يظهر جليا بين أبناء زايد وهو ما يعصف بالدولة الاتحادية وليس فقط نظام زايد.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين