fbpx
Loading

خنون الخصومة و إسفاف الخيانة

بواسطة: | 2017-12-23T13:41:27+02:00 السبت - 23 ديسمبر 2017 - 12:55 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

في عالم السينما، يبدو غريبا جدا أحيانا أن يمتلك أحد خصوم الحرب سلاحا فتاكا يمكنه القضاء على كل أعدائه في ثوان، بينما يحتفظ به دون استخدام أو تصدير، حتى في أعتى لحظات الصراع تعقدا واحتياجا للمفاصلة والإنهاء.. أمر مثير للتأمل حقا أن الكتاب لا يعتقدون أن ذلك الأمر سيثير في نفوس مشاهديهم نفورا عجيبا وتساؤلا غريبا.. لكن بيد أن في الأمر بعض المنطق!

لكل عالم قانون وقواعد وملامح مميزة، مهما بلغ من العبثية والجنون. دائما تبقى هناك مساحة من الأخلاق والأعراف والقيم والمثل.. حتى المجرمون يحكم عالمهم أخلاق للمهنة وقواعد للجريمة! قواعد يعتبرون الخروج عليها انتهاكا غير مبرر، وعارا يلحق بمن يناله أبدا، ومعيبة يسعى كل “مجرم” في حفظ سيرته نقية عن الولوج فيها.

يحفظ التاريخ في سجلاته قصصا لعتاة في الإجرام رفضوا أن يلحق بهم عار انتهاك المنظومة الأخلاقية للجريمة، أبو سفيان حين وقف في حضرة هرقل في أيام البعثة الأولى للنبي، محمد صلى الله عليه وسلم، رفض أن يكذب حين سأله هرقل عن أخلاق النبي، فحرضته نفسه على أن يوسمه بالنقائص انتصارا لعقيدته الوثنية، إلا أنه يقول -كما أورد البخاري-: فالله، لولا أنني خشيت أن يأثروا عليّ كذبا؛ لكذبته!

وحين تجمّع القتلة حول بيت النبي يوم الهجرة سعيا في قتله، أراد أحد المتحمسين أن يقتحموا الدار، فرده أبو جهل وعنفه وقال: “وتقول العرب إنا تسورنا الحيطان وهتكنا ستر بنات العم؟”. وحين غافلهم النبي وخرج إلى المدينة، لطم أبو جهل وجه أسماء بنت أبي بكر، فراح يتوسل إليها ألا تخبر أحدا عن فعلته حتى لا يناله العار الكبير بين وجهاء مكة، وراح يناديها: خبئيها عني.. خبئيها عني!

يعلمنا القرآن الكريم كيفية إنصاف الخصوم واحترام شرف المعركة حتى ضد أعتى المجرمين وأقسى المتجاوزين: “ولا يَجرِمنَّكم شَنَئانُ قومٍ أن صَدوكُم عن المَسجدِ الحرامٍ أن تَعتَدُوا”، “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون”.

حتى في الميثولوجيا وقصص الميتافيزيقيا، كان البطريق -خصم باتمان الشهير- يرفض القتل بلا داع، صفة غريبة جدا لم يجد المؤلف أنها ستقف حائلا أمام محاولاته بناء واحد من أعظم الشخصيات الشريرة في تاريخ السينما، ولم يجد المشاهدون نفورا حين يمتنع البطريق عن القتل لأنه “لا داعي له”!

لكن برأيك، لماذا يفعلون ذلك؟ لماذا يحرص المجرمون على خلق منظومة تحفظ لانتهاكاتهم زخمها وحضورها؟ هل يجد هؤلاء في صراعتهم سلوى عن التيه؟ هل يجدون فيها قيمة لحياتهم التي لولا ما فيها من صراع وتحدى لكانت أشبه بكابوس لا ينتهي؟ تدري! أحيانا نحب الصراع لأننا نجد فيه قيمة لحياتنا، ونحب الخصوم لأنهم يمنحوننا شعورا بالبطولة حين نغلبهم، وشعورا بالتحدى حين يغلبونا.

لكن بعض الصراعات تفقد رونقها حين تنزلق إلى مساحات الجنون، وتفقد أي قدرة على الضبط، وتتجازو المتوقع، وتخرج عن سقف الإبداع إلى منزلقات الإسفاف. هذا ما يحصل في عالمنا العربي تحديدا، جنون الخيانة، وإسفاف البيع. هنا يفقد الصراع قيمته، ويحتل الملل موقع التحدي، والانكماش موقع الصمود، ويتحول الاعتزال إلى موقف أخلاقي فريد.

هذا ما نعانيه في بلادنا هذه الأيام، لم نعد قادرين على استيعاب حجم الخيانات ولا مساحات التخذيل، حكامنا باعوا كل قيمة ممكنة، وحاشياتهم باعت كل قدرة على التعقل، وجماهيرهم باتوا يقبلون أي تجاوز بأريحية كبيرة ورضا واسع وتبريرات واهية. هذا جنون أوقفنا عن الاستيعاب، وأقعدنا عن اتخاذ ردة فعل منطقية، فلا شيء منطقي هنا على الإطلاق!

الآن، بدا واضحا لم لا يستخدم الأبطال الشريرون أسلحتهم الفتاكة، بيد أن للأمر علاقة بالأعراف، وشرف الصراع، فالشرير يعرف أنه لو انتصر بسلاح استثنائي فلا قيمة لانتصاره، وأن الحفاظ على قانون الحرب وشرف الخصومة هو ما يشعل نشوة النصر لحظة الانتصار.. وليت حكامنا يفقهون ذلك!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

عمار مطاوع
صحفي مصري وحقوقي، وباحث بقسم الأدب العربي لدى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة المصرية

اترك تعليق