تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف

إخفاق مشين لمجلس الأمن، بشأن الهجوم الكيميائي في دوما السورية، يفتح الباب على مصراعيه لكشف حقيقة المجلس الديكوري في عالم لا يعرف إلا القوة، حتى وصل الأمر إلى نقد المجلس من قلب الأمم المتحدة، ليصبح في شبه إجماع دولي، “خيال مآتة”!.

فشل أممي

مجلس الأمن الدولي سقط في اختبار سوريا سقوطًا مروعًا، وفشل في تبني أي من مشاريع القرارات الثلاثة التي عرضت عليه بشأن إنشاء آلية للتحقيق في الأسلحة الكيميائية في سوريا، بينما تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث من المتوقع أن يتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحلفاؤه قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية، واستخدمت روسيا حق الفيتو، ضد مشروع قرار أمريكي يقضي بإنشاء آلية تحقيق حول استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، ووافقت 12 دولة على مشروع القرار الأمريكي، في حين عارضته روسيا وبوليفيا، وامتنعت الصين عن التصويت، في جلسة شهدت قبل التصويت سجالًا بين الغرب وموسكو، وكان مشروع القرار يدعو إلى إنشاء “آلية تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة”، على أن تعمل لمدة سنة للتحقيق في استخدام السلاح الكيميائي في سوريا.

من جانبه، أكد توماس ماركرام، نائب الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، أنه على مجلس الأمن الدولي الاتحاد في وجه هذا التهديد المستمر، باعتباره الجهة المسؤولة عن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، ويتعين أن يفي المجلس بمسؤولياته لأن فعل ما يخالف ذلك، أو عدم فعل أي شيء، يعني القبول الضمني، بعدم إمكانية التغلب على هذا التحدي فلا يمكن أن يصبح استخدام الأسلحة الكيميائية وضعًا قائمًا، ولا يمكن أن نواصل خذلان ضحايا مثل هذه الأسلحة، وهو ذات ما طالب به ستيفان دي مستورا، المبعوث الدولي المعني بسوريا.

 تاريخ إخفاقات

وبحسب دراسة حديثة، فتاريخ مجلس الأمن الدولي مليء بالفشل فيما يخص الشرق الأوسط، ففي القضية الفلسطينية تأخر مجلس الأمن في بداية عرض القضية الفلسطينية على المنظمة الدولية في أبريل 1947، رغم أهميتها وخطورتها على الأمن والسلم الدوليين، وتخلى عن مسؤوليته الرئيسية المتعلقة بحفظ الأمن والسلم الدوليين، وترك أمر التعاطي مع هذه القضية للجمعية العامة، وتدخله لم يحصل إلا في أبريل 1948، أي متأخرًا سنة كاملة، وأهم قرارين صدرا عن الأمم المتحدة ويتعلقان بتسوية القضية الفلسطينية، قرار التقسيم، القرار رقم 181 (د-2) تاريخ 29 تشرين الثاني/ أكتوبر، والقرار المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى منازلهم، القرار رقم 194(د-3) تاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، قد صدرا عن الجمعية العامة وليس عن مجلس الأمن، وكل ما صدر عن مجلس الأمن ما بين العام 1948 و1967 هي قرارات تدعو لوقف إطلاق النار وقرار بتشكيل هيئة مراقبة الهدنة، والقرار الوحيد المتعلق بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي الصادر عن مجلس الأمن قد صدر بعد عدوان 1967، وهو القرار رقم 242/1967 الذي تضمن مبادئ التسوية السلمية في الشرق الأوسط، والذي لم ينفذ لتاريخه.

وفيما يخص الحروب العدوانية والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، لم يفلح مجلس الأمن من منع الحروب العدوانية والاعتداءات المتكررة على لبنان من قبل إسرائيل، حتى إن القرارات التي تمكن من إصدارها، والتي دائمًا تأتي متأخرة وغير عادلة ومنصفة للبنان، لم يتمكن من إلزام إسرائيل على تنفيذها، ومنها القرار 425 الذي صدر في 19 آذار 1978 على إثر عدوان آذار 1978، ولا القرار 1701 الذي صدر على إثر حرب تموز 2006، أما القرار 1701/2006، فإن بنوده المتعلقة بمزارع شبعا وتلال كفر شوبا وقرية الغجر، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي والأجواء والمياه الإقليمية للبنان لم تنفذ لتاريخه، ويبقى لبنان عرضة للانتهاكات وللاعتداءات الإسرائيلية.

وتبرز القضية العراقية، من غزو الكويت إلى احتلال العراق في ملف فشل مجلس الأمن، ففيما لم يتأخر مجلس الأمن من التدخل عند غزو العراق للكويت في العام 1990، حيث كان تدخل المجلس سريعًا وحاسمًا، وتصرف وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأصدر حينها سلسلة من القرارات، ومنها القرار رقم 660/1990 تاريخ 3 آب/أغسطس 1990 الذي اعتبر فيه الغزو “خرقًا للسلم والأمن الدوليين”، انتهاءً بالقرار رقم 678/1990 تاريخ 29 نوفمبر 1990 الذي أذن فيه للدول باستخدام القوة ضد العراق لدعم وتنفيذ قراراته ذات الصلة، و فيما يتعلق بمزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعط الفرصة لمجلس الأمن لحل الأزمة سلميًّا، فبعد أن فشلت في إقناع أعضاء مجلس الأمن بتأييد مشاريع القرارات الداعية لاستخدام القوة ضد العراق، تصرفت هي، ودون إذن من المجلس، وشنت مع حلفائها حربها على العراق، فغزته واحتلته في العام 2003، وفيما يخص قضية البرنامج النووي الإيراني فمن الملاحظ، بحسب مراقبين، من مسار الأحداث أن موقف الأمم المتحدة من البرنامج النووي الإيراني لا يتناسب مع موقف الأمم المتحدة من السلاح النووي الذي تملكه إسرائيل، ولم يتوان مجلس الأمن عن التدخل في قضية البرنامج النووي الإيراني، وفرض العقوبات على إيران، وإصدر ثلاثة قرارات هي: القرار رقم 1696 للعام 2006، والقرار رقم 1737 للعام 2006، والقرار رقم 1747 للعام 2007، في القرار رقم 1696 تاريخ 31 يوليو 2006 .

وفي اليمن وبحسب ستيفن أوبراين، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فإنه حمل مجلس الأمن الدولي مسؤولية ما يحدث من مآسي في اليمن، بقوله أمام مجلس الأمن الدولي مؤخرًا: “يجب على المجتمع الدولي أن يفعل المزيد، فالكلمات غير كافية لضمان مثول الأطراف لالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، هذا المجلس يتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا، فضلا عن مسؤوليته في صون السلم والأمن الدوليين، والذي فشل بوضوح في اليمن، ونحو 20 مليون شخص يعتمدون على عملكم الملموس لإنهاء الصراع”.

نصيب الأسد

ولفشل قرارات مجلس الأمن بشأن سوريا نصيب الأسد، ومنها قرار مجلس الأمن الدولي في ديسمبر 2015، بدعم خطة لإنهاء الحرب في سوريا، بإجماع أعضائه الخمسة عشر، وهو ما يعرف اليوم بمسار جنيف المبني على “إعلان جنيف” الصادر في يونيو 2012 بشأن الانتقال السياسي في سوريا و”تصريحات فيينا”، والذي لم يحقق أية نتيجة تذكر.

وانطلقت مشاريع القرارات في المجلس بشأن سوريا في أكتوبر 2011، حيث اعترضت روسيا والصين على مشروع قرار أوروبي يدين سوريا، ويلمح إلى إمكانية فرض عقوبات عليها إذا استمر قمعها الدموي للمحتجين، وأيدت تسع دول مشروع القرار، وامتنعت عن التصويت أربع دول، هي: البرازيل والهند ولبنان وجنوب إفريقيا، وفي فبراير 2012، كان التصويت الثاني، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار غربي عربي يدعم خطة لجامعة الدول العربية تقترح تسليم الرئيس بشار الأسد السلطة إلى نائبٍ لإفساح المجال أمام عملية تحول ديمقراطي، وصوتت باقي الدول الأعضاء الثلاثة عشر لصالح مشروع القرار، وكان التصويت الثالث في يوليو 2012، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يدعمه الغرب، هدد بفرض عقوبات على السلطات السورية إذا لم توقف العنف، وصوتت 11 دولة لصالح مشروع القرار والذي ينص على تمديد عمل بعثة تابعة للأمم المتحدة في سوريا تراقب وقف إطلاق النار الذي لم ينجح – فيما امتنعت جنوب إفريقيا وباكستان عن التصويت، وكان القرار الأول للمجلس في أبريل 2012، حيث أقر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بالإجماع قرار نشر فريق يصل قوامه إلى 30 مراقبًا غير مسلح لمراقبة هدنة هشة وقصيرة في سوريا، تبعه قرار ثاني في نفس الشهر، يسمح بنشر زهاء 300 مراقب عسكري غير مسلح بشكل مبدئي في سوريا، لمدة ثلاثة أشهر، وفي يوليو 2012، وافق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على تمديد عمل بعثة المراقبة في سوريا لمدة 30 يومًا أخرى، وفي سبتمبر 2013، أقر مجلس الأمن الدولي بالإجماع قرارًا يطالب بالتخلص من الأسلحة الكيماوية السورية، إلا أنه لم يهدد بعقاب فوري ضد حكومة الأسد في حالة عدم امتثالها للقرار.