تغيير حجم الخط ع ع ع

يوافق شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل ذكرى مرور 40 عاما على غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وهو تقريبا نفس عمر جمهورية إيران الإسلامية حتى الآن.

وطوال تلك العقود الأربعة، ناضلت طهران من أجل حماية مصالحها وأمنها داخل حدود جارتها الشرقية المضطربة.

ولم تجذب أنشطة إيران في أفغانستان الانتباه الخارجي الذي تجتذبه عملياتها في العراق وسوريا واليمن والخليج العربي، ولكن لا تزال أفغانستان ساحة مهمة وصعبة في كثير من الأحيان للسياسة الخارجية الإيرانية، وهي دولة يقوم فيها صناع القرار في طهران بتصحيح المسار ببطء بعد عقود من التقصير.

وفي بعض النواحي تبدو مصالح إيران في أفغانستان ضيقة.

وركزت إيران جهودها تقليديا على تمكين الناطقين باللغة الفارسية في البلاد، وحماية الشيعة الأفغان، الذين تبلغ نسبتهم خمس سكان البلاد، والذين تعرضوا في الأعوام الأخيرة لهجمات مروعة من قبل المسلحين المتشددين بما في ذلك تنظيم “الدولة الإسلامية”.

لكن قبل كل شيء، تريد إيران الاستقرار لأفغانستان.

وأرسل الاحتلال السوفيتي، وعدم الاستقرار اللاحق، ما يقدر بنحو 3 ملايين لاجئ أفغاني إلى إيران، حيث تسبب وجودهم في الضغط على الموارد والخدمات العامة في العديد من البلدات والمدن في جميع أنحاء البلاد.

علاوة على ذلك، تخشى طهران أن تستغل المملكة العربية السعودية التقلبات في أفغانستان لتنمية وكلاء لها على الجهة الشرقية لإيران.

ورغم أن واشنطن وطهران تتصارعان في أماكن أخرى كثيرة، إلا أن مصالحهما ليست كذلك في أفغانستان.

ولا تريد إيران أن تجعل جارتها الشرقية ساحة نزاع بينها وبين الولايات المتحدة.

ولن تستهدف طهران القواعد والقوات الأمريكية في أفغانستان حتى في حالة تصاعد الأعمال القتالية في الخليج، لأن ذلك سيضمن استمرار الاضطرابات والتقلبات على الحدود الشرقية لإيران لأعوام قادمة.

ويريد صانعو السياسة الإيرانيون مغادرة القوات الأمريكية لأفغانستان، لأنهم مقتنعون بأنه يمكن الآن إدارة الوضع في البلاد بطريقة دبلوماسية.

وكلما وضعت إيران الاستقرار في صميم استراتيجيتها لأفغانستان، زاد ذلك من تحسين العلاقات مع عدوها السابق، “طالبان”.

ومثل الولايات المتحدة، أصبحت إيران تقبل حقيقة أن استيعاب “طالبان” هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل أكثر سلمية في جارتها أفغانستان.

 

أخوة السلاح

وتربط علاقات ثقافية ولغوية عميقة بين إيران وأفغانستان، فاللغة الوطنية الإيرانية، الفارسية، منتشرة على نطاق واسع في أفغانستان، مع اللغة “الدرية” المحلية ولهجات أخرى.

ويتابع الإيرانيون والأفغان نفس الأدب والتلفزيون والموسيقى.

وكانت “هرات”، أكبر مدينة في غرب أفغانستان، جزءا من إيران حتى القرن التاسع عشر، وتحتل مكانة تاريخية في الثقافة الفارسية.

وفي العصر الحديث، شكلت الهوية الدينية رابطا مهما آخر عبر الحدود.

واستثمر نظام الشاه الإيراني قبل الثورة، والجمهورية الإسلامية بعد الثورة، بكثافة في المجتمع الشيعي الأفغاني، من خلال تمويل المساجد والجامعات والمؤسسات الخيرية في المقام الأول بين مجموعة “الهزارة” العرقية، التي تشكل غالبية الشيعة في أفغانستان.

وخلال الاحتلال السوفيتي في الثمانينات، كانت إيران في حالة حرب مع العراق، ما صرف انتباهها عن التركيز على تشكيل المقاومة الأفغانية المعادية للسوفييت. وبدلا من ذلك، دعمت ميليشيات الشيعة والهزارة.

وبعد الانسحاب السوفيتي، اندمجت هذه الميليشيات في جماعة شيعية تدعى “حزب الوحدة الإسلامي” في أفغانستان، لكنها كانت صغيرة نسبيا مقارنةً بجماعات المجاهدين السنة المدعومين من باكستان والسعودية والولايات المتحدة.

ومن خلال تأطير تورطها في أفغانستان من خلال منظور الانتماءات الشيعية واللغوية، حدت إيران من تأثيرها على اتجاه البلاد بعد مغادرة السوفيت.

وقد تسلمت حركة “طالبان” السنية – معظم أعضائها من البشتون – المدعومة من باكستان السلطة عام 1996، تاركةً مجلس الأمن القومي الأعلى في إيران يشعر بالقلق إزاء مصير السكان الشيعة والناطقين بالفارسية.

وصوت المجلس على غزو “هرات” والاستيلاء عليها، لكن الغزو لم يحدث أبدا.

وفي عام 1998، قتلت جماعة مرتبطة بباكستان، متحالفة مع “طالبان”، 11 دبلوماسيا وصحفيا إيرانيا في القنصلية الإيرانية في مدينة “مزار شريف”، شمالي أفغانستان، وردا على ذلك حشدت إيران 200 ألف جندي على الحدود.

وإلى جانب الهند وروسيا والقوى الإقليمية الأخرى، دعمت إيران التحالف الشمالي، وهو تحالف مجموعات الميليشيات التي قاومت سيطرة “طالبان” في شمالي أفغانستان.

وبالنظر إلى هذا التاريخ، اختارت إيران دعم التحالف العسكري الذي تدعمه الولايات المتحدة، الذي استخدم القوى العاملة في التحالف الشمالي للإطاحة بنظام “طالبان” في نوفمبر/تشرين الثاني 2001.

وعلى الرغم من أن الوجود الأمريكي الموسع في أفغانستان لم يضايق الزعماء الإيرانيين، إلا أن النفوذ الباكستاني والسعودي المتنامي في البلد أزعجهم بشكل أكبر.

وشعر المسؤولون الإيرانيون بالقلق إزاء محاولات باكستان المتكررة، قبل وبعد الغزو السوفيتي عام 1979، لتثبيت الحكومات التي يهيمن عليها البشتون في كابول.

وتعتمد باكستان على المساعدات المقدمة من السعودية، وتوجه المصالح السعودية في المنطقة من خلال رعاية الجماعات السلفية المتشددة، وتقديم الدعم السري للمتمردين العنيفين العاملين في مقاطعة “سيستان وبلوشستان” الإيرانية، وربما الأهم من ذلك، إثارة الفصائل المعادية لإيران داخل “طالبان”.

وكما حدث في هجمات عام 1998 في “مزار الشريف”، قام المسلحون السنة بضرب أهداف إيرانية في أفغانستان من قبل، ويمكنهم فعل ذلك مرة أخرى.

 

إصلاح العلاقة

وتوقع القادة الإيرانيون أن الإطاحة بحركة طالبان عام 2001 من شأنه أن يقلل من سيطرة باكستان على السياسة الأفغانية.

وبدلا من ذلك، واستمرارا لإحباط طهران، استمر نفوذ إسلام أباد إلى حد ما بلا هوادة، حتى بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول.

ولم تتغير أهداف إسلام أباد في أفغانستان.

وتعتبر باكستان أن الحكومة الأفغانية الودية ضرورية لعمقها الاستراتيجي فيما يتعلق بمنافستها للهند.

وقد دفع هذا الإلحاح الدائم باكستان إلى التمسك بـ”طالبان” حتى بعد الإطاحة بالمجموعة، وحتى في مواجهة الانتقادات الدولية بهذا الشأن.

وعانت العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة بعض الضغط بسبب هذا الالتزام.

ومع ذلك، ليس لدى إيران ثقة كبيرة في أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان قد يحد من تأثير إسلام أباد.

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، تدعم إيران انسحاب القوات الأمريكية، حتى لو كان ذلك يعني إعادة تمكين “طالبان”.

وستستمر إيران في تعزيز علاقاتها القوية مع حكومة “أشرف غني”.

ومؤخرا، وافق المسؤولون الإيرانيون والأفغان على توثيق التعاون في مجال الطاقة.

ولكن مهما كان شكل الحكومة في كابول، تدرك طهران أن “طالبان” وداعميها في باكستان سيظلون ممثلين رئيسيين في أفغانستان.

وإذا أرادت إيران أن تظل وثيقة الصلة بالبلاد، وأن تقلل من النفوذ الباكستاني، فعليها أيضا أن تكسب الصلة مع “طالبان”.

وقطعت علاقة إيران بـ”طالبان” شوطا طويلا منذ “شدة” التسعينيات.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتهم إيران بشكل دوري بالتعاون مع طالبان على المستوى التشغيلي، إلا أنه لا يوجد الكثير من الأدلة الموثوق بها على هذا التعاون.

غير أن الكثير من الأدلة تشير إلى تحسن العلاقات السياسية بين إيران و”طالبان”.

وفي ديسمبر/كانون الثاني الماضي، أكد “علي شمخاني”، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن إيران قد بدأت في إجراء محادثات مع “طالبان”، بالتنسيق مع الحكومة في كابول، من أجل معالجة “انعدام الأمن المتفشي” في أفغانستان.

وتحمل بعض فصائل “طالبان” العداوات ضد الأفغان الشيعة وضد إيران، لكن فصائل أخرى من طالبان مستعدة لإقامة علاقات أفضل مع طهران.

ويعطي الدبلوماسيون الإيرانيون قيادة “طالبان” المزيد من الأسباب للثقة بهم.

وتشير إيران علانيةً إلى اعترافها بأهمية “طالبان”؛ وقد أثار وزير الخارجية الإيراني، “جواد ظريف”، غضب حكومة “غني” عندما خرج على التلفزيون في يناير/كانون الثاني 2019، ليصر على أن تلعب “طالبان” دورا في أي تكوين سياسي مستقبلي في أفغانستان.

وقبل 20 عاما، وحتى قبل 10 أعوام، لم يكن من الممكن تصوّر مثل هذا الخطاب من وزير الخارجية الإيراني.

لكن إيران أعادت ضبط أولوياتها في أفغانستان، وستحاول الوصول إلى تسوية مع طالبان بغض النظر عما تحققه الولايات المتحدة أو تفشل في تحقيقه.

وبعد أسبوع واحد فقط من انهيار المحادثات مع الولايات المتحدة، في سبتمبر/أيلول الماضي، وصل وفد من “طالبان” إلى طهران.

وتعرف إيران أنها يجب أن تُبقي خصومها السابقين على مقربة، للضغط على أعدائها الأكبر حجما.