لم تكن الإمارات طرفًا عابرًا في المأساة الليبية، بل أحد أبرز مهندسي الفوضى التي التهمت البلاد منذ 2014. فبدل أن تدعم مسارًا وطنيًا يعيد بناء الدولة، اختارت أبوظبي الرهان على السلاح والميليشيات والجنرالات، ورعت قوى مسلحة خارج المؤسسات، ومولتها سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وساهمت في تحويل ليبيا إلى ساحة مفتوحة للحرب بالوكالة. ومن خلال دعم خليفة حفتر وشبكات المرتزقة والطائرات المسيرة وخطوط التمويل والتهريب، لم تتعامل الإمارات مع ليبيا كدولة ذات سيادة، بل كمنصة نفوذ وممر استراتيجي لتفكيك المنطقة العربية، تمر عبره الميليشيات والسلاح والمال القذر من ليبيا إلى السودان وما وراءه. وما تكشفه تقارير الأمم المتحدة والتحقيقات الدولية ليس مجرد تدخل سياسي، بل مشروع ممنهج لإضعاف الدولة الليبية، وإدامة الانقسام، وتحويل ثرواتها وحدودها ومؤسساتها إلى أدوات في خدمة أجندة أبوظبي الإقليمية.
منذ 2014، بدأ الدور الإماراتي في ليبيا كدعم عسكري وسياسي لخليفة حفتر ومعسكر الشرق. ثم تطور إلى بناء قدرة جوية، وتزويد بالسلاح والمركبات، ودعم حرب طرابلس في 2019، ثم المساهمة في تشكيل اقتصاد حرب حول النفط والتهريب، وصولًا إلى استخدام الشرق والجنوب الليبيين، خصوصًا محور الكفرة، كمنصة لوجستية مرتبطة بحرب السودان وقوات الدعم السريع. هذا المسار جرى رغم وجود حظر سلاح أممي مفروض على ليبيا منذ 2011، ومدد مجلس الأمن نظام العقوبات حتى أغسطس/آب 2027.
المحصلة ليست مجرد “تدخل خارجي” عابر، بل نمط متكرر: دعم طرف مسلح، تقويض المسار الانتخابي، تحويل النفط إلى أداة مساومة، ثم إعادة تدوير الأزمة عبر صفقات فوقية تجمع العائلات المسلحة والنافذة بدل بناء دولة.
عام 2014– لحظة الدخول العنيف
كانت سنة 2014 نقطة مفصلية في انتقال الإمارات من المتابعة السياسية إلى التدخل العسكري المباشر أو شبه المباشر في ليبيا. في أغسطس/آب 2014، نقلت صحف دولية عن مسؤولين أمريكيين أن الإمارات ومصر نفذتا ضربات جوية ضد قوات مرتبطة بعملية “فجر ليبيا” في طرابلس، وأن طيارين إماراتيين استخدموا قواعد مصرية لتنفيذ الهجمات. نفت القاهرة وأبوظبي الاتهامات، لكن واشنطن تعاملت مع الأمر بوصفه تدخلًا خارجيًا خطيرًا في لحظة انهيار المسار السياسي الليبي.
هذا التدخل لم ينجح في منع قوات “فجر ليبيا” من السيطرة على مطار طرابلس، لكنه كشف مبكرًا عن جوهر الاستراتيجية الإماراتية: لا انتظار لصناديق الاقتراع أو التوازنات الليبية الداخلية، بل محاولة فرض هندسة سياسية بالقوة الجوية، عبر تمكين المعسكر الأكثر قابلية للاندماج في رؤية أبوظبي الأمنية: سلطة عسكرية مركزية، معادية لتيارات الإسلام السياسي، وقابلة للدعم من الخارج.
من الدعم السياسي إلى بناء آلة عسكرية: قاعدة الخادم وحظر السلاح
بعد 2014، لم يبقَ الدور الإماراتي عند مستوى الغارات أو الدعم السياسي. تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا رصدت دعمًا ماديًا ومباشرًا لما يسمى “الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر، بما في ذلك طائرات ومركبات عسكرية وتطوير قاعدة الخادم الجوية في شرق ليبيا. تقرير أممي لعام 2017 قال إن الإمارات قدمت دعمًا ماديًا ومباشرًا لقوات حفتر، وإن ذلك رفع قدرتها الجوية بصورة كبيرة، مع الإشارة إلى عدم تلقي اللجنة ردًا إماراتيًا على أسئلتها.
الخطورة هنا ليست فقط في نوع السلاح، بل في السياق القانوني. ليبيا كانت خاضعة لحظر سلاح أممي مفتوح منذ 2011، وأي نقل سلاح أو معدات عسكرية إلى أطراف النزاع كان يفترض أن يخضع لإجراءات أممية صارمة. مع ذلك، أشارت تقارير أممية وصحفية إلى استمرار تدفق العتاد، بما في ذلك مركبات مدرعة وطائرات، لصالح قوات حفتر.
بناء قاعدة الخادم مثل نقطة تحول؛ فبدل أن تكون الإمارات داعمًا سياسيًا خارجيًا فقط، أصبحت جزءًا من البنية العسكرية التي سمحت لحفتر بإدارة حرب طويلة، وبناء قدرة جوية غير متناسبة مع قدرات قوات محلية خارجة من حرب أهلية.
عام 2019 – حرب طرابلس ورهان الحسم العسكري
في أبريل/نيسان 2019، شن حفتر هجومه على طرابلس في محاولة للسيطرة على العاصمة وإسقاط حكومة الوفاق. الهجوم جاء في لحظة كان يفترض أن تشهد مسارًا سياسيًا أمميًا، لكنه حوّل ليبيا مجددًا إلى ساحة حرب مفتوحة. تقارير دولية وصفت الهجوم بأنه مدعوم من الإمارات ومصر وروسيا، في مقابل دعم تركي لحكومة طرابلس لاحقًا، ما عمق تدويل الحرب الليبية.
الدعم الإماراتي لم يكن هامشيًا. تقارير وتحليلات متخصصة ربطت حملة حفتر الجوية باستخدام طائرات مسيرة، وبنية تشغيلية متقدمة، وبقاعدة الخادم التي سبق أن طورتها الإمارات. كما أشارت تقارير إلى أن قوات حفتر لم تكن تملك وحدها القدرات التقنية الكافية لبعض أنواع العمليات الليلية والدقيقة، ما عزز الشكوك حول دور خارجي مباشر أو تشغيلي.
وفي يناير/كانون الثاني 2020، قُتل عشرات الطلاب في ضربة على الكلية العسكرية في طرابلس. تحقيقات إعلامية، بينها تحقيق استند إلى أدلة فنية حول صاروخ “بلو آرو 7” وطائرة “وينغ لونغ 2”، ربطت الهجوم بمنظومة طائرات مسيرة كانت تعمل من قاعدة الخادم، حيث تمركزت طائرات مرتبطة بالإمارات. الإمارات نفت المسؤولية، لكن القضية بقيت مثالًا على كيف انتقلت الحرب الليبية من بنادق محلية إلى حرب طائرات مسيرة عابرة للحدود.
أما ضربة مركز تاجوراء للمهاجرين في يوليو/تموز 2019، فقد كشفت الثمن الإنساني لهذا النمط من الحرب. بعثة الأمم المتحدة وثقت أن طائرة أجنبية قصفت المجمع، وأن الضربة الثانية أصابت عنبرًا يضم مهاجرين ولاجئين، ما أدى إلى مقتل 53 شخصًا على الأقل وإصابة 87 آخرين. ورغم أن المسؤولية المباشرة ظلت موضع نزاع، فإن الواقعة أظهرت كيف تحولت ليبيا إلى مسرح لضربات جوية لا تخضع لمحاسبة حقيقية.
المرتزقة والشركات الخاصة: حرب بالوكالة وبلا توقيع رسمي
أحد أخطر أوجه التدخل الخارجي في ليبيا كان استخدام شركات أمنية خاصة ومرتزقة، بما يسمح للدول الراعية بإنكار المسؤولية المباشرة. تقارير أممية وصحفية كشفت ما عرف باسم “Project Opus”، وهي عملية خاصة استهدفت دعم قوات حفتر بمعدات عسكرية وقدرات استطلاع ومروحيات ومهام بحرية، بل وخطط لاستهداف شخصيات عسكرية وسياسية.
الأهم أن بعض الشركات المرتبطة بهذه العملية كانت مسجلة في مناطق حرة داخل الإمارات، بينها شركات مقرها دبي، وهو ما يفتح سؤالًا حول البيئة القانونية والمالية التي سمحت بتمرير عمليات عسكرية شديدة الحساسية عبر أراضٍ أو كيانات إماراتية.
هذا النمط ينسجم مع سياسة “الحرب منخفضة الكلفة”: لا جيوش رسمية معلنة، ولا إعلان حرب، بل طائرات شحن، شركات خاصة، طائرات مسيرة، مرتزقة، وممرات مالية. النتيجة واحدة: إطالة الحرب، إضعاف الدولة، وخلق طبقة مسلحة وسيطة تعيش على استمرار الفوضى.
بعد فشل اقتحام طرابلس: من هندسة الحرب إلى هندسة التسويات
فشل حفتر في دخول طرابلس لم ينهِ الدور الإماراتي؛ بل أعاد تشكيله. بعد 2020، بدأ التركيز ينتقل من الحسم العسكري إلى إدارة توازنات السلطة والمال. في 2022، شهد ملف النفط الليبي ترتيبات حساسة بعد تغيير رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله وتعيين فرحات بن قدارة. تقارير صحفية تحدثت عن تفاهمات غير معلنة بين معسكر الدبيبة ومعسكر حفتر، وذكرت أن لقاءات مرتبطة بهذه التفاهمات جرت في الإمارات أو بوساطة إماراتية، مقابل إنهاء إغلاقات النفط وتثبيت مواقع السلطة.
النفط هنا ليس قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل هو قلب الصراع على الدولة. كلما أصبحت عائدات النفط قابلة للمساومة بين عائلات مسلحة أو شبكات سياسية، تراجعت فكرة الدولة الجامعة، وتحولت المؤسسة النفطية إلى ساحة ابتزاز متبادل بين الغرب والشرق، وبين الخارج والداخل.
وتقارير لاحقة عن تهريب الوقود والتجارة غير المشروعة زادت الصورة قتامة. فقد وثقت تقارير أممية وصحفية عمليات تهريب ديزل واسعة من شرق ليبيا، مع إشارة إلى أن شبكات وتجارًا مقيمين في الإمارات كانوا جزءًا من منظومة تجارة غير مشروعة تكلف ليبيا مليارات الدولارات وتغذي اقتصاد الحرب.
ليبيا كمحطة لتفكيك المنطقة: محور الكُفرة والسودان
أخطر تطور في الدور الإماراتي لا يتعلق بليبيا وحدها، بل بتحويل الجغرافيا الليبية إلى ممر إقليمي للحروب. تحقيقات Reuters في أواخر 2025 أظهرت أن مدينة الكُفرة، الواقعة في جنوب شرق ليبيا والخاضعة لنفوذ قوات حفتر، أصبحت مركزًا لوجستيًا مهمًا مرتبطًا بإمداد قوات الدعم السريع في السودان. التحقيق ربط بين عشرات رحلات الشحن، وشبكات تهريب، وممرات تنقل نحو دارفور، مع الإشارة إلى أن حفتر حليف للإمارات، وأن خبراء أمميين وأعضاء في الكونغرس الأمريكي اتهموا الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي.
تحقيق Lighthouse Reports في 2026 ذهب أبعد، إذ تحدث عن شبكة مدعومة إماراتيًا مرتبطة بتدريب وتمويل ونقل قدرات لصالح قوات الدعم السريع عبر شرق ليبيا، مستندًا إلى صور أقمار صناعية، ومواد مفتوحة المصدر، وتتبعات رقمية.
كما خلصت دراسة حديثة لمعهد SWP الألماني إلى أن الإمارات لا تتعامل مع ليبيا كملف منفصل، بل كجزء من شبكة إقليمية تشمل السودان والصومال واليمن، وأن دعمها لحفتر منذ 2014 ثم استخدام مناطق خاضعة لقواته في مسارات مرتبطة بالسودان ساهم في ترسيخ اقتصاد حرب عابر للحدود. الدراسة وصفت الإمارات بأنها لاعب “مفسد” في حالات عدة، لأنها تعزز قوى مسلحة محلية وتربط الدعم العسكري بالمصالح التجارية والسياسية.
بهذا المعنى، لم تعد ليبيا مجرد بلد مدمَّر بفعل حرب داخلية؛ بل أصبحت محطة تشغيل: سلاح يدخل، مرتزقة يعبرون، نفط ووقود يهربان، وطرق صحراوية تتحول إلى شرايين لحروب أخرى.
“صفقة بولس” واجتماعات أبوظبي: تثبيت العائلات بدل إنهاء الانقسام
في 2026، عاد الحديث بقوة عن ترتيبات أمريكية تقودها إدارة ترامب عبر مسعد بولس، تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية عبر صيغة تقاسم سلطة بين عائلة الدبيبة في الغرب وعائلة حفتر في الشرق. تقارير عربية ودولية تحدثت عن صيغة تبقي عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، مقابل صعود صدام حفتر إلى موقع متقدم داخل المجلس الرئاسي أو معادلة القيادة العليا، وهو ما اعتبره منتقدون تثبيتًا لحكم العائلتين بدل فتح مسار انتخابي حقيقي.
في السياق نفسه، ثبتت زيارة عبد الحميد الدبيبة إلى أبوظبي ولقاؤه محمد بن زايد في يوليو/تموز 2026، وفق تقارير ليبية. أما الادعاء المتداول عن وصول طائرة مرتبطة بحفتر إلى أبوظبي في التوقيت نفسه، فلم أجد له — أثناء البحث — تأكيدًا مؤسسيًا مستقلًا من مصدر دولي أو رسمي يمكن اعتماده كدليل قاطع. لذلك، يبقى هذا التفصيل قرينة سياسية متداولة لا واقعة مثبتة بذاتها.
لكن حتى من دون حسم مسألة الطائرة، فإن الصورة الأوسع واضحة: أبوظبي تظهر مجددًا كمكان تلتقي فيه أطراف ليبية متصارعة لا لإنتاج مسار انتخابي شفاف، بل لإعادة توزيع السلطة بين مراكز قوة قائمة، بعضها مسلح وبعضها متحكم في المال العام. وهذا بالضبط هو منطق التدخل الإماراتي منذ 2014: لا بناء مؤسسات، بل صناعة توازنات تضمن النفوذ.
ماذا تريد الإمارات من ليبيا؟
يمكن تلخيص الدوافع الإماراتية في أربعة مستويات:
أولًا، الدافع الأيديولوجي والأمني: أبوظبي رأت في صعود قوى ثورية أو إسلامية بعد 2011 تهديدًا مباشرًا لنموذجها السياسي، فدعمت قوى عسكرية مضادة للثورات في أكثر من ساحة عربية.
ثانيًا، الدافع الجيوسياسي: ليبيا تمنح موقعًا مهمًا على المتوسط، وقربًا من مصر والسودان وتشاد والنيجر، ومساحة نفوذ في شمال أفريقيا والساحل.
ثالثًا، الدافع الاقتصادي: النفط، الموانئ، إعادة الإعمار، والتهريب كلها ملفات يمكن تحويلها إلى أدوات نفوذ وربح.
رابعًا، الدافع العملياتي: ليبيا، خصوصًا شرقها وجنوبها، توفر أرضًا رخوة يمكن استخدامها في الحروب غير المعلنة: طائرات شحن، مرتزقة، تهريب وقود، خطوط دعم، وتنسيق مع قوى مسلحة محلية.
نحن هنا لا نحتاج إلى افتراض مؤامرة واحدة كبرى لفهم الدور الإماراتي في ليبيا. الوقائع المتناثرة تكفي لرسم نمط واضح: في 2014، دعم مسار عسكري ضد قوى طرابلس. في 2016 و2017، بناء قدرات حفتر الجوية والعسكرية رغم حظر السلاح. في 2019 و2020، دعم حرب طرابلس بالطائرات المسيرة والمرتزقة وشبكات الشركات الخاصة. بعد ذلك، انتقال إلى إدارة صفقات النفط والسلطة. وفي 2025 و2026، ظهور ليبيا، خاصة الكُفرة، كمحطة مرتبطة بإمداد حرب السودان، كونها مدينة صحراوية شديدة الأهمية تصل ليبيا بعمق أفريقيا، ولذلك يمكن أن تتحول إلى ممر للسلاح والمرتزقة والتهريب والحروب الإقليمية.
بهذا المعنى، لم يكن الدور الإماراتي في ليبيا مجرد “انحياز لطرف”، بل مساهمة مستمرة في تحويل الدولة الليبية إلى مساحة نفوذ مفككة: شرق مسلح، غرب محاصر بالابتزاز، جنوب مفتوح للممرات، ونفط يتحول من ثروة وطنية إلى ورقة تفاوض بين العائلات والقوى الخارجية.
والأخطر أن هذا النموذج لا يبقى داخل ليبيا. حين تتحول ليبيا إلى محطة لوجستية لحرب السودان، وممرًا للمرتزقة، وسوقًا للوقود والسلاح، فإن تدميرها يصبح جزءًا من عملية أوسع: تفكيك المنطقة العربية عبر دول رخوة، ومليشيات ممولة، وحدود لا تعمل، وصفقات تُطبخ خارج إرادة الشعوب.