fbpx
Loading

رحلة البحث عن فرج بين أوراق رضوى عاشور

بواسطة: | 2017-12-19T20:01:20+02:00 الثلاثاء - 19 ديسمبر 2017 - 5:11 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

“فرج” سيرة ذاتية للفتاة ندى، عاصرت الحركة الطلابية في السبعينات وكانت من قادتها، تحكي السيدة رضوى عن ثلاثة حكايات للسجن عاشتها ندى، بدأت باعتقال أبيها في عهد عبدالناصر، ثم اعتقالها شخصيًا في عهد السادات، ثم اعتقال أخيها في عهد مبارك، وطوال كل هذا السرد للحياة القاسية التي عاشتها كنت أبحث عن “فرج” ولا أجده..

قال لي زميل ذات مرة، أنت تشبهين فتاة ما، ولا أعلم إن كان تشبيهك بها شيء سيسعدك أم لا. حين ألححت عليه قال أنني أشبه “أروى صالح”، لم أكن أعرفها، كتبت اسمها في محرك البحث جوجل، واكتفيت بما كتبته عنها الويكيبيديا، أنها فتاة عاصرت الحركة الطلابية في السبعينات وكانت أحد رموزها، كتبت كتابًا اسمه “المبتسرون” ترصد فيه أهم محطات الحركة الثورية وكيف هدأت تلك الثورة، أو أحبطت، انتحرت أروى بعدها قفزًا من مبنى شاهق. لم أحاول البحث من جديد عن السيدة التي تشبهني، لكني وجدتها وأنا أبحث عن “فرج”.

تحكي رضوى عاشور عن أروى صالح، وكيف كانت شعلة نشاط، خرجت مع الكثير من أبناء جيلها لتلبية نداء التاريخ وعدل ميزانه ورفع لواء حلم الخلاص، لكن بعد خمسة عشر عامًا تتساءل أروى كيف انتهى الأمر بهم إلى “ممياوات أخرجت للشمس فجأة فتهاوت ترابًا” ؟ حاولت أروى الإنتحار أول مرة بإلقاء نفسها في النيل، ولكن تم إنقاذها، لكن في المرة الثانية لم يكبح تمردها شيء، ألقت نفسها من الدور الثاني عشر بعد أن حاولت البحث عن الصورة الحقيقة وأسباب الحلم المقتول..

وترد رضوى بلسان ندى على كل من يهاجم أروى ومن مثل أروى: “كأنك مدرس في يده مسطرة من حديد، تهوي بها على كفي بنت صغيرة، ولا يرى فزعها ولا الدم النازف منها، في الواقع سلوكك أسوأ، لأن من تضربها بهذا الشكل رحلت! من أين جئت بهذه القسوة؟”

مرت ندى بمحطات صعبة للغاية، اعتقال أبيها، ثم انفصال أبيها عن أمها بعد أن انتظرته خمسة أعوام ليخرج من سجنه، ثم زواج أبيها من امرأة أخرى، ثم رسوبها في عامها الأول في كلية الهندسة، وصدمتها في الشخص الذي كانت تحبه والذي تخلى عن أفكاره الثورية ومبادئه بكل بساطة في مقابل المال رغم اتهامه للجميع بالبرجوازية، ثم موت أبيها واضطرارها لأن تعول أخويها الصغيران، ورفضها للزواج خوفًا عليهما، ثم موت أمها دون وداع وموت صديقها الذي تحبه، وانتحار رمز من رموز ماضيها الذي تحيا عليه، كل هذه الأحداث تمر عليها، وكذلك عليّ كقارئه، ولا أجد الفرج!

في الفصل الأخير على لسان أحد المعتقلين تحكي رضوى أن المساجين في يوم ما شاهدوا شيئًا أبيض يسقط من السماء، ولم يعلموا ماهية هذا الشيء، وحين فتح باب الزنزانة التقطه أحدهم هذا الشيء، فرخ حمام صغير، عار تماما إلا من الزغب، أخذه ورباه وأطعمه، كل المساجين أحبوه، علموه الطيران، وعلموه كيف يخرج من بين القضبان ويعود مرة أخرى، ورفضوا إعطاءه للعساكر رغم مطالبتهم به دائمًا، وخوفًا عليه قرر أحد المساجين تهريبه خارج السجن، لكن في اليوم التالي عاد ومعه إلفه، وبجوار زنزانة صاحبه أقام عشًا، وعاش معهم.. صحيح.. هذا الفرخ كان اسمه فرج!

ربما كان هذا الفرج انفصال ندى عن الفتى الذي أحبته، حيث أنه تبين لها أنه بلا مباديء! أو ربما كان في الفرج في أن يتزوج أبيها مرة أخرى فينجب طفلين يصبحان كل ما تملك في المستقبل! أو كان الفرج في أنها لم تعذب في المعتقل، فهي كما تقول لم يكسرنا السجن، فالدولة تعلم جيدًا حجم الطلبه وما يشكلونه من تهديد! أو ربما كان الفرج رسوبها في كلية الهندسة لتدخل بعدها كلية الآداب وتعمل في مجال الترجمة وتتفوق فيه! أو ربما كان في الفرج في أنها لم تستسلم رغم كل هذا، لم تنتحر ولم تفكر في الإنتحار! أو ربما كان الفرج أنها صدقت أن هناك فرجٌ ما..

عن الكاتب

بدر أحمد السروي
بدر أحمد السروي

اترك تعليق