تغيير حجم الخط ع ع ع

 

 

في خضم إرهاصات استعداد محور التطبيع العربي الذي تقوده الإمارات للعدوان على قطر والذي انتهى بإعلان حصارها، أرسل ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، بالتحديد في مطلع عام 2015، مندوبين للشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر، ناقلين له عرضا بتخفيف حدة الحصار مقابل عدة مطالب أمنية في مقدمتها تسليم المعارضة الإماراتية الشابة آلاء الصديق إلى الإمارات لتلقى مصيرها في غياهب السجون الإماراتية سيئة السمعة.

 

بدا واضحا إذن كيف يبدو نظام أبو ظبي منزعجا من هذه المُعارضة الشرسة، زوجة المعارض الإماراتي عبدالرحمن باجبير، وابنة الداعية محمد عبد الرزاق الصديق المعتقل في الإمارات منذ عام 2012، وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات، ووُجهت له تهم بتدبير انقلاب في محاكمة صورية نددت بها المنظمات الحقوقية والدولية.

 

آلاء الصديق، التي تُعد إحدى أبرز الشخصيات المعارضة لنظام الحكم في الإمارات، لم يتم تسليمها إلى بلادها من قبل الدوحة بالطبع، بحسب ما أكده وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في حديث قديم عام 2018، تحدث فيه عن رفض الدوحة لتسليم آلاء الصديق مما عقّد الخلاف مع الإمارات.

 

وبحسب تصريحات وزير الخارجية القطري، وأمام التصلب الإماراتي في مطالبة الدوحة بتسليم آلاء الصديق، فما كان من الأمير تميم إلا أن أجاب بالرفض، موضحا أن قوانين قطر تمنع هذا، وكذلك القوانين الدولية، فضلا عن الأعراف العربية والخليجية وأنهم لن يسلموا امرأة مهما حدث خاصة وأنها غير متهمة بأي جرم جنائي، وأن قطر لن تستغل الفتاة المعارضة كأداة لتصفية الحسابات السياسية.

 

غادرت آلاء الصديق الدوحة بعد ذلك إلى المملكة المتحدة لاستكمال دراستها، بعدما أكرم القطريون ضيافتها وكانت حسن الجوار لها دون أن تفرض عليها أجندة أو تحاول استغلالها للنيل من أبو ظبي على غرار ما تفعله الأخيرة بكل المقيميين في أرضها حال دخول بلادهم في خصومة مع الإمارات.

 

لكن الدوحة على عكس ذلك منذ بدء الحصار الغاشم عليها، إذ لطالما حافظت على نهج أكثر احترازا في خلافاته السياسية، فعلي سبيل المثال، كشف عدد من الصحفيين العاملين في الإعلام القطري أن تعليمات سيادية صدرت بمنع أي ضيف غير خليجي من التطاول على أي من “أعضاء مجلس التعاون الخليجي”، على الرغم من استضافة المنصات الإماراتية لعشرات الوافدين للطعن في الجار الخليجي ضاربين بذلك أعراف المجتمع الخليجي وأخلاقه الراسخة.

 

وهكذا وجدت آلاف في الدوحة خير مستقر، وفي الوقت نفسه لم تتوقف عن دعم والدها المعتقل في السجون الإماراتية، قبل أن تقرر أخيرا مغادرة الدوحة إلى وجهتها الجديدة في أوروبا، لاستكمال دراستها بالمملكة المتحدة، والتي وافتها المنية فيها، مساء السبت الماضي، في حادث سير ببريطانيا حيث تقيم، وذلك بعد أن دهستها سيارة، وسط تساؤلات حول ظروف الحادث.

 

وفي المملكة المتحدة، خاضت آلاء الصديق صفحة جديدة من حياتها النضالية ضد مغتصبي حقها في رؤية عائلتها وحرمان والدها منها، فبدأت آلاء في التصعيد ضد نظام أبو ظبي، مُطالبة بتوفير محاكمة عادلة لوالدها، ومعاقبة منتهكي حقه في الحياة الآمنة السوية في بلاده، لا سيما بعدما تحدثت تقارير حقوقية عن تعرض والدها لسلسلة من عمليات التعذيب التي ترقى لمرتبة التصفية الجسدية الممنهجة.

 

وأمام نشاط آلاء الصديق الشرس في الدفاع عن والدها، أصبحت تعد واحدة من أشهر معارضي النظام الإماراتي في الخارج، وشغلت عدة مناصب في هيئات حقوقية معارضة، كان أبرزها توليها منصب المديرة التنفيذية لمؤسسة القسط لحقوق الإنسان المعنية بمعتقلي الرأي في الخليح، والتي أصدرت عدة تقارير كاشفة عن حالة حقوق الإنسان في الإمارات والسعودية والبحرين.

 

لكن إعلان وفاة آلاء الصديق  في حادث سير “عرضي” لم يكن مقنعا لكثير من رفقائها الذين شككوا في كون الحادث عرضيا، متهمين نظام أبو ظبي بتصفية الفتاة المعارضة بسبب نشاطها في فضح انتهاكات النظام الإماراتي، لا سيما وأن هذا النظام له سوابق شرسة في استهداف الفتاة على كل صعيد ممكن.

 

وبالفعل، كانت آلاء الصديق مستهدفة طوال الوقت من نظام أبو ظبي، فتارة تحكم السلطات بسحب الجنسية الإماراتية منها، مما جعلها فجأة “بدون” لا تحمل أي أوراق ثبوت رسمية من بلادها، وهو ما أهلها للتقدم للحصول على اللجوء السياسي في بريطانيا، وبالفعل كان حصولها على حق اللجوء شبه محسوم أمام قرار بلادها بسحب الجنسية الوطنية منها.

 

وتارة أخرى يضيق النظام الإماراتي عليها عبر السعي لتسليمها وإدارجها على قوائم الإنتربول، وهو ما رفضته الشرطة الدولية لكون الفتاة لا تحمل الجنسية الإماراتية بعدما قررت السلطات سحبها منها، لتصبح دعوى إضافتها لسجل المطلوبين الدوليين محض عبث غير قانوني، لكنه لم يمنع النظام الإماراتي من السعي لاختطافها سواء عبر الطرق القانونية في الشرطة الدولية، أو حتى عبر تفاهمات أمنية فاشلة كالتي حاولتها أبو ظبي مع الدوحة وقوبلت بالرفض من الجانب القطري.

 

وعلى الرغم من رحيل آلاء الصديق، فإن وفاتها بهذا الشكل وفي هذا التوقيت ستظل علامة استفهام كبيرة، على الأقل للمتابعين للشأن الحقوقي والراصدين لمواقفها وسيرتها في الدفاع عن المعتقلين، وسعي النظام الإماراتي الحثيث للتخلص منها بكل وسيلة ممكنة، وهو الأمر الذي يجعل هذا النظام متهما بشكل غير مشكوك فيه بتصفيتها، وإن جاءت هذه التصفية في لباس قدري عبر حادث سير لا يشك أصدقاؤها في كونه مدبرا من قبل من اختطفوا والدها من قبل وزجوا به غياهب السجون وحرموه حتى حق توديع جثمان ابنته التي عاشت حياتها تسعى فقط لرؤيته وجهه عن كثب.