تغيير حجم الخط ع ع ع

 

يبدو أن عملية “نفق الحرية” التي تمكن خلالها 6 أسرى ستترك آثارها عميقًا على المؤسسات في دولة الاحتلال الإسرائيلي وعلاقتها بالمستوطنين الصهاينة. حيث إن تفاصيل العملية تنبئ عن فشل ذريع لأجهزة الأمن الصهيونية قبل وأثناء وبعد العملية.

فقبل العملية، فشلت دولة الاحتلال في توقع نية الأسرى الفلسطينيين، كما أنها فشلت في اكتشاف خطتهم، أو حتى اكتشاف النفق الذي حفره الأسرى الذين انتزعوا حريتهم فجر الإثنين الماضي. كذلك، فشل مسؤولو السجن في منع تهريب هاتف جوال الأسرى الذي حرروا أنفسهم، أو اكتشاف أمر الجوال الذي تواصل من خلاله هؤلاء الأسرى مع متعاونين خارج السجن، وفق ما كشفت عنه صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.

وقبل العملية أيضًا، أخفت سلطات سجن “جلبوع” شديد الحراسة، الذي يعد أحد أكثر السجون تحصينًا لدى الاحتلال، في معرفة سبب انتقال المعتقل زكريا الزبيدي، عضو حركة “فتح”، إلى الزنزانة التي حفر فيها المقاومون الستة النفق. فحسب موقع أكسيوس الأمريكي، فإنه قبل 24 ساعة من فرار الأسرى، طلب “الزبيدي” تبديل الزنازين والانتقال إلى الزنزانة التي كان يحتجز فيها خمسة من معتقلي حركة الجهاد الإسلامي، ولم يثر هذا أي شكوك لدى السجانين.

وخلال العملية، تمثل الفشل في عدم رؤية المجندين الصهاينة للأسرى حال هروبهم، رغم أن فتحة النفق تقع تحت برج مراقبة مباشرة. كما فشل الاحتلال في ملاحظة الأسرى عند خروجهم من فتحة النفق رغم الكاميرات العديدة المثبتة في أرجاء السجن وخارجه. أما بعد نجاح الأسرى من الهروب، فقد فشلت سلطات الاحتلال في اكتشاف الأمر، ولولا مساعدة مستوطنين لاحظوا حركة غريبة لم تكن قوات أمن الاحتلال لتلاحظ أي شيء حول الواقعة إلا بعد ساعات، وربما في اليوم التالي.

 

تضارب روايات الاحتلال الرسمية

كل هذا الإخفاق المتراكم ساهم في النهاية في إصدار محكمة إسرائيلية قرارًا بحظر نشر أي تفاصيل تتعلق بقضية هروب ستة سجناء فلسطينيين من سجن جلبوع شديد الحراسة، وفق ما قال المتحدث باسم شرطة دولة الاحتلال. ويسري حظر النشر لمدة 30 يومًا تنتهي في السادس من أكتوبر المقبل. ولم تكن سلطات الاحتلال لتتخذ قرارًا كهذا إلا إذا كان نشر أي معلومات عن القضية ليس في صالحها.

علاوة على هذا، فقد حدث تضارب في البيانات الإسرائيلية الرسمية حول الحادث، حيث حاولت مصلحة السجون في دولة الاحتلال التقليل من تداعيات الحادث في سجن جلبوع، والتهرب من مسؤوليتها أمام المستوطنين الصهاينة عن طريق ادعاء أن الأسرى الفارين لم يحفروا نفقًا. وقالت إدارة السجون إن “الأسرى هربوا عبر خط المجاري، حيث رفعوا غطاء وضع أسفل المرحاض، واستغلوا المساحة في الزنزانة لتوسيعها والهرب عبرها”.

لكن في المقابل، اعتبرت أذرع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية الحادثة “خطيرة جدًا” ولها تداعيات على المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ودعت لاستخلاص العبر منها.

 

الحكومة تحاول استيعاب الصدمة

أما عن تصرف حكومة الاحتلال الإسرائيلي، فقد وصف رئيس الوزراء الاحتلال، نفتالي بينيت، انتزاع الأسرى لحريتهم بأنه “حدث خطير”. وقال إن الحدث “يلزم جميع الأجهزة الأمنية بالتحرك”، حيث تقرر إخلاء سجن جلبوع ونقل من فيه إلى سجون أخرى. ومن الواضح أن فشل الاحتلال في اكتشاف هذا النفق جعله يشك في قدرات أجهزته نفسها، لذلك تم تخويل فرق الهندسة بجيش الاحتلال للبحث عن أنفاق محتملة أخرى يمكن أن تستخدم في هروب مزيد من الأسـرى.

كما أصدر وزير الحرب لدى الاحتلال، بيني غانتس، تعليماته من أجل تعزيز قواته بالضفة الغربية وعند قطاع غزة وعلى الحواجز الحدودية. وطالب خلال مشاورات مع رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” نداف أرغمان وقادة الجيش “الاستعداد العملي لتنفيذ جميع الإجراءات المطلوبة للقبض على الأسرى”. في حين قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، عومر بارليف، إن “التخطيط لهروب الأسرى كان دقيقًا، ونشتبه بتلقيهم مساعدة من الخارج”.

 

إخفاق ليس له مثيل

ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول في مصلحة السجون الإسرائيلية قوله إن فرار الأسرى “إخفاق أمني بحجم لم تشهد سلطة السجون له مثيلًا”، حيث نجح الأسرى -تحت أنظار ضباط السجن والمخابرات وعلى مدار فترة طويلة جدًا- في التخطيط مع جهات من الخارج للهروب من السجن وحفر النفق.

وبدا المسؤول الأمني مذهولًا خلال حديثه للصحيفة، حيث قال إن “فرار الأسرى هو سلسلة من الإخفاقات الخطيرة للغاية”. وتساءل: “كيف حفروا تحت أنف السجانين في أحد أكثر السجون حراسة في البلاد؟ في حين يُحظر إدخال معادن إلى الزنزانة، وأين اختفى التراب؟ وكيف أجروا محادثات من هواتف نقالة في السجن؟”

 

شبيه بالفشل في حرب 1973

ووصل الأمر لدى الاحتلال إلى حد تشبيه الفشل الأخير بفشل الاحتلال خلال حرب 1973. ففي مقابلة له مع الإذاعة العبرية الرسمية، شبه اللواء المتقاعد رامي عفوديا في جيش الإحتلال، الذي شغل في السابق منصبًا رفيعًا في مصلحة السجون، تمكن الأسرى الستة من الفرار، بفشل جيش الاحتلال في حرب 1973، أمام الجيش المصري، محذرًا من أن بعض الأسرى الذين تمكنوا من الفرار أدينوا بقتل جنود ومستوطنين.

كما تحدث مسؤول آخر من مصلحة السجون الإسرائيلية، ليصف الهروب من سجن جلبوع بالإخفاق غير المسبوق للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، قائلًا في حديثه لصحيفة “هآرتس” إن “هذا ما يحدث عند تعيين أشخاص عديمي الخبرة في مثل هذه المناصب الحساسة”.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي خبرًا يفيد بأن حكومة الاحتلال أقالت مجندة كانت نائمة في برج المراقبة أثناء هروب المعتقلين الستة، لكن الأكيد أن الأمر لن يقف عند هذا الحد، بل من المتوقع أن تشهد دولة الاحتلال إقالات عدة جراء هذا الفشل الذريع.