تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مر الآن أكثر من خمس سنوات على مقتل طالب الدراسات العليا الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة، والذي يحيط بوفاته الكثير من الغموض خاصة مع تضارب أقوال الحكومة المصرية عن ظروف وملابسات الوفاة التي تؤكد التحقيقات الإيطالية أنها تمت بإشراف مباشر من أفراد أمن مصريين.

 

مؤخراً، تم الكشف عن محتوى الرسائل الأخيرة التي أرسلها ريجيني عبر حسابه على موقع فيسبوك، والتي أبدى فيها لصديقه مخاوفه بشأن استكمال بحثه في مصر، وأوضحت أن ادعاءات النظام المصري بأنه [ريجيني] جاسوساً أو محرضاً على الفوضى محض افتراءات كاذبة لا أساس لها من الصحة.

 

مخاوف ريجيني، الطالب في جامعة كامبريدج، بدأت معه حتى قبل مغادرته إنجلترا، حيث كان قلقاً بشأن المخاطر التي قد يواجهها أثناء جمعه معلومات لأطروحته حول النقابات العمالية في مصر، وهو موضوع حساس في البلاد.

 

ريجيني -البالغ من العمر 28 عاماً آنذاك- توقع أن أسوأ ما يمكن أن يتعرض له هو ترحيله من البلاد قبل أن يتمكن من إنهاء بحثه، لم يخطر بباله أبداً أن يواجه ما حدث. خُطف ريجيني من الشارع وتعرض للتعذيب وألقيت جثته -شبه عارية- على جانب الطريق في جريمة قتل وحشية من المقرر أن يحاكم فيها أربعة من مسؤولي الأمن المصريين في إيطاليا في أكتوبر/ تشرين الأول بعد ظهور نتائج التحقيقات الإيطالية.

 

قبل سفره إلى القاهرة، كتب ريجيني في رسائل إلى صديقها -شاركها مع صحيفة الغارديان-:”مصر في حالة صعبة الآن”… “الديكتاتورية وليس واضحاً إلى أي مدى سيصل مستوى الوحشية… الوضع الحالي محفوف بالمخاطر”.

 

ما تعرض له جوليو ريجيني ليس غريباً على النظام المصري، عملية الاختفاء القسري تحدث بصورة يومية منذ تولي عبد الفتاح السيسي زمام الأمور في البلاد، وبحسب منظمة حقوقية، فإن حوالي 2723 حالة اختفاء قسري تم التبليغ عنها على مدار الخمس سنوات الماضية، تعرض بعضها للتعذيب وإطلاق النار.

الغريب في الأمر أن شخصاً أجنبياً يتعرض لهذه الانتهاكات، خاصة وأنه انتقل إلى البلاد في سبتمبر/أيلول 2015 بصفته طالب دكتوراه يجري أبحاثاً تتعلق بأطروحة دراسات تنموية حول النقابات العمالية المستقلة.

 

موضوع أطروحة ريجيني كان حساساً للغاية في بلد شهد ارتفاعًا هائلاً في تمثيل العمال خلال الربيع العربي، الذي أوصل محمد مرسي، زعيم الإخوان المسلمين، إلى السلطة في عام 2012، قبل أن يُطاح به بعد ١٢ شهراً في انقلاب قاده السيسي عائداً بالبلاد إلى الحكم العسكري مرة أخرى.

 

قرر ريجيني، الذي درس اللغة العربية والسياسة سابقًا في جامعة ليدز، إجراء بحث عن أطروحته في القاهرة من سبتمبر/أيلول 2015 إلى مارس/آذار 2016، مع عطلة لمدة أسبوعين في المنزل مع عائلته لعيد الميلاد في فيوميتشلو، شمال شرق إيطاليا.

 

في أكتوبر/ تشرين الأول، بعد شهر من وصوله، وصف النقابات بأنها “القوة الوحيدة المتبقية في المجتمع المدني”، وركز عمله على الباعة الجائلين، الذين كان عددهم حوالي 6 ملايين، وشكلوا نقابة لمكافحة القمع الحكومي. قال ريجيني إن الوضع في القاهرة “كئيب”، وأضاف في إشارة إلى طول فترة حكم قائد الجيش السابق حسني مبارك “هذا لا يبدو أنه سيكون 30 عاما أخرى.”

 

لكن الأمور أخذت منعطفاً مقلقاً عندما رصد ريجيني، في اجتماع للنشطاء النقابيين، شابة محجبة تقوم بتصويره وتحتفظ بصورته على هاتفها، مما جعله يخشى أنه يخضع للمراقبة.

 

كان ريجيني ينزعج أيضاً من البائعين الذين يضايقونه لشراء الهواتف المحمولة، كما أن رئيس نقابتهم كان يطالبه بالمال لدفع فواتير الأسرة الطبية، في صورة أشبه بالابتزاز، وعندما قال ريجيني إنه لا يستطيع المساعدة، قام محمد عبد الله [رئيس النقابة] بإبلاغ الشرطة عنه، وادعى أنه يعتقد أن ريجيني جاسوس.

 

في إحدى رسائله الأخيرة على موقع فيسبوك، طلب ريجيني المساعدة باللغة الإنجليزية، وبعد خمسة أيام من هذه الرسالة تم اختطافه من الشارع وهو في طريقه لقضاء أمسية في الخارج.

 

بعد تسعة أيام تم العثور على جثته ملقاة على جانب طريق القاهرة الإسكندرية السريع، علامات التعذيب كانت واضحة جداً على جثته، كان واضحاً أنه تعرض للضرب والحرق والطعن قبل كسر رقبته بعد أن ضرب من الخلف بأداة ثقيلة غير حادة، لقد كانت إصاباته شديدة لدرجة والدته باولا عندما رأت جسده لم تتمكن من التعرف عليه إلا من “طرف أنفه”.

 

الخطوات التي تلت ذلك كانت بمثابة تستر واضح من قبل السلطات المصرية، بالرغم من تعهد الرئيس السيسي، في مقابلة مع صحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية، بتعقب الجناة، لكن ما حدث أن السلطات زعمت بعد ذلك أن هناك عملية سطو على يد إحدى العصابات، وتم تصفيتهم جميعاً.

 

المحققون الإيطاليون اكتشفوا عكس ذلك، حيث أظهرت السجلات الهاتفية لزعيم العصابة -المزعومة- أنه لم يكن في القاهرة وقت اختفاء ريجيني، وخلصوا إلى أن وثائق هوية الطالب تم “دسها” في منزل أحدهم.

 

واصل المحققون الإيطاليون عملهم، وأكد شهادات عدد كبير من الشهود أنهم رأوا ريجيني في مقر جهاز الأمن الوطني، وخلصت التحقيقات الإيطالية إلى اتهام أربعة من أفراد الأمن المصري، وتم قبول الدعوى ضدهم من قبل قاضي إيطالي الشهر الماضي، وهم طارق صابر وحسام حلمي وآسر كامل محمد إبراهيم ومجدي إبراهيم عبد الشريف، الذين وجهت إليهم تهماً بالاختطاف المشدد، بالإضافة إلى تهمة القتل العمد التي وجهت لمجدي الشريف.

 

على الصعيد المصري، أغلقت النيابة المصرية التحقيقات في قضية ريجيني، ورفضت السلطات المصرية تسليم المشتبه بهم لإيطاليا، لذا ستتم المحاكمة بدونهم.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا