في خطوة تكرس سياسات الإفقار الممنهج التي ينتهجها نظام عبد الفتاح السيسي ضد الشعب المصري، تقترب الحكومة من نزع آخر ما تبقى من شبكة الأمان الاجتماعي للفقراء؛ فبعد عقود ظل فيها رغيف الخبز المدعم الباب الواسع الذي تنطلق منه الدولة لتأمين حد الكفاف لأكثر من ثلثي الشعب، يواجه ملايين المصريين صدمة معيشية غير مسبوقة مع اقتراب تطبيق منظومة “الدعم النقدي” بدلاً من “الدعم العيني” بداية الشهر المقبل، وسط غموض شديد ورعب يجتاح البيوت والمخابز.

ووفقاً للبيانات الرسمية لمجلس الوزراء، فإن هناك 61 مليون مصري يستفيدون من السلع التموينية، و68 مليوناً يعتمدون على الخبز المدعم بفاتورة تبلغ 160 مليار جنيه في العام المالي (2025/2026)، حيث ينتج قطاع التموين ما بين 250 إلى 270 مليون رغيف يومياً، بواقع 5 أرغفة لكل فرد؛ غير أن هذه المنظومة باتت في مهب الريح مع التعديلات الجديدة التي طالت جوهر السلعة الإستراتيجية الأولى في البلاد.

صدمة التموين: خفض الوزن ورفع السعر بنسبة 650%

وزاد وزير التموين، شريف فاروق، من قلق المصريين بتصريحات تلفزيونية أعلن فيها رسمياً رفع سعر رغيف الخبز من 20 قرشاً إلى 1.5 جنيه، مع تخفيض وزنه من 90 غراماً إلى 70 غراماً فقط؛ ويمثل هذا السعر الجديد قفزة جنونية بنسبة 650%، كاسراً قاعدة السعر الثابت التي تواصلت منذ عام 1988، ومضاعفاً سعر الرغيف نحو 30 مرة خلال سنوات حكم السيسي.

أما على صعيد الوزن، فقد واصلت الحكومات المتعاقبة في عهد السيسي تقليص حجم الرغيف؛ حيث تم خفضه من 130 غراماً في التسعينيات إلى 120 غراماً عام 2014، ثم إلى 110 غرامات عام 2016 بالتزامن مع قروض صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى 90 غراماً عام 2020، لينتهي به المطاف الشهر المقبل عند 70 غراماً؛ وهو ما يعني خسارة الرغيف لنحو نصف قيمته الغذائية (46%) خلال 12 عاماً، في قرارات تصفها الدوائر الاقتصادية بأنها بالغة الجرأة والخطورة، ولم تجرؤ عليها حكومات السادات أو مبارك طوال أربعة عقود خوفاً من الانتفاضات الشعبية.

الدعم النقدي.. غطاء لتصفية الدعم كلياً

وتقوم فكرة المنظومة الجديدة على تحويل قيمة الدعم إلى مبالغ مالية توضع في “محفظة إلكترونية” مرتبطة ببطاقة التموين لشراء الخبز أو السلع؛ وبحسب محللين اقتصاديين، فإن متوسط تكلفة إنتاج الرغيف الفعلية تبلغ 1.84 جنيه، ما يعني أن رفع سعره إلى 1.5 جنيه مع خفض وزنه إلى 70 غراماً يخرجه تماماً من مظلة الدعم الحكومي ويحوله إلى سلعة تجارية تُركت لآليات السوق الحرة وعوامل التضخم.

وتتزامن هذه الإجراءات الصادمة مع إعلان وزير الزراعة، علاء فاروق، خفض واردات القمح السنوية إلى 12.5 مليون طن في خطوة تهدف لتقليل الفاتورة الاستيرادية للموازنة العامة على حساب الحصة الغذائية للمواطنين؛ في حين ألمح رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إلى إمكانية تنقية البطاقات وإخراج مئات الآلاف من الأسر بزعم “خروجهم من دائرة الاحتياج”، مدعياً أن 25% من مخصصات الخبز تتسرب لغير المستحقين، وهو ما اعتبره نشطاء حقوقيون وعماليون محاربة للفساد الإداري على حساب أقوات الفقراء.

غياب الرؤية ومخاوف من سحق القدرة الشرائية

وفي ظل الغموض الذي يكتنف الآلية الجديدة، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب، وكيل وزارة التجارة الخارجية السابق، أنه لا توجد خطة واضحة ومعلنة للحكومة حتى الآن لتنفيذ الدعم النقدي للخبز، معرباً عن مخاوفه من عجز الأفران خارج المنظومة عن تلبية الطلب اليومي الضخم؛ وأشار إلى أن التحول للدعم النقدي يتطلب بالضرورة ربطه بمعدلات التضخم لضمان عدم تآكل قيمته، في ظل عدم استقرار أسعار الصرف والسلع الأساسية يومياً أمام الدولار.

من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي والناشط الحزبي، حسن بربري، أن تصريحات الوزير تأتي لجس نبض الشارع، مؤكداً أن أسرة مكونة من 4 أفراد ستحتاج إلى 300 جنيه شهرياً وفق السعر الجديد لتوفير حصتها الأساسية، مما يعني أن أي قيمة نقدية ستقل عن هذا المستوى ستمثل سحقاً مباشراً للقدرة الشرائية للأسرة؛ ووصف الإدارة الرسمية للملف بالخاطئة والتاريخية نظراً لغياب الحوار المجتمعي والتخبط الدائم في اتخاذ القرارات.

ويجمع مواطنون وإعلاميون على أن رغيف الخبز في مصر ليس مجرد سلعة بل هو مسألة “أمن قومي”، محذرين من أن المساس بوزنه وسعره في ظل الانهيار الحاد للدخول والرواتب يمثل هماً ثقيلاً لا تعرف ملايين الأسر المصرية كيفية مواجهته، حيث يكاد يكون الخبز المصدر الرئيسي والوحيد للطاقة والعيش لأكثر من ثلثي الشعب المكتوي بنيران الغلاء وإفقار المنظومة الاقتصادية الحالية.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال