أعادت العملية الفدائية الجريئة التي شهدها محيط تجمع “غوش عتصيون” الاستيطاني، الواقع إلى الجنوب من مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة، خلط الأوراق الأمنية والميدانية لجيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن نجح شاب فلسطيني في اختراق التحصينات العسكرية المكثفة وإصابة أربعة مستوطنين وجنود بجروح متفاوتة، وُصفت اثنتان منها بالخطيرة جداً. هذه العملية، التي نُفذت عبر هجوم مباشر بسيطة مركبة اندفعت بسرعة فائقة نحو تجمعات المستوطنين وقوات الجيش، تسببت في حالة عارمة من الذعر والهلع والارتباك الصادم في صفوف منظومة الاحتلال الغاشم، مبرهنة على هشاشة الإجراءات العسكرية والقبضة الأمنية التي يفرضها على مدن وقرى الضفة الغربية.
وأكدت مصادر محلية وميدانية من موقع الحدث أن العملية أحدثت دوياً هائلاً في الأوساط العسكرية الإسرائيلية، حيث هرعت أعداد ضخمة من سيارات الإسعاف وآليات الجيش إلى التجمع الاستيطاني الذي يعد واحداً من أكثر المناطق تحصيناً ومراقبة في جنوب الضفة؛ وأطلق جنود الاحتلال المتواجدون في المكان وابلاً كثيفاً من الرصاص الحي صوب المركبة المنفذة، مما أدى إلى إصابة السائق بشكل مباشر واستشهاده في وقت لاحق، وسط استنفار أمني شامل وإغلاق لكافة الحواجز والمسارات المؤدية إلى مكان الهجوم خوفاً من وجود عمليات إسناد أو هجمات تلو الأخرى.

تفاصيل اختراق التحصينات وهشاشة المنظومة الدفاعية للاحتلال
تكتسب العملية الأخيرة في “غوش عتصيون” أهمية إستراتيجية وميدانية بالغة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والأمنية للموقع المستهدف؛ إذ يمثل هذا التجمع الاستيطاني عصب الاستيطان في جنوب الضفة الغربية، ويحيط به حزام أمني وعسكري صارم يتألف من أبراج مراقبة، وكاميرات حرارية متطورة، وانتشار دائم لسرى المشاة ودوريات النخبة التابعة لجيش الاحتلال. ومع ذلك، نجحت السيارة الفلسطينية في التقدم والمباغتة وإيقاع الخسائر البشرية المباشرة في صفوف الجنود والمستوطنين قبل أن تتمكن القوة العسكرية من التعامل معها.
هذا الفشل الاستخباري والميداني الفاضح أثار موجة من الانتقادات والاتهامات المتبادلة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وأعاد إلى الواجهة مشاعر الخوف والرعب التي تلاحق المستوطنين في تحركاتهم اليومية؛ فالعملية أثبتت مجدداً أن الطوق العسكري الشامل وسياسات العقاب الجماعي المفروضة على الفلسطينيين لا يمكنها منع تمدد خيارات المقاومة الفردية المنطلقة من دافع ذاتي ورد فعل طبيعي على جرائم الاستيطان والتهويد اليومية المستمرة.
وزارة الصحة تنعى المنفذ وتفاصيل الهوية الوطنية
وفي سياق المتابعة الرسمية، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية بشكل رسمي عن هوية منفذ العملية الشجاعة، مشيرة إلى أنه الشاب “أمجد جواد عبد الفتاح النتشه”، المنحدر من مدينة الخليل المحتلة؛ ونعت الفعاليات الوطنية والشعبية في الخليل وبقية محافظات الضفة الشهيد النتشه، معتبرة أنه يمثل جيلاً جديداً يرفض الركوع لشروط الاحتلال ويصر على انتزاع حقوقه بكافة الوسائل المتاحة والمشروعة.
وأوضحت مصادر حقوقية أن إعدام الشهيد النتشه بدم بارد وإطلاق النيران بكثافة عليه بعد تنفيذه للعملية يندرج ضمن سياسة “إطلاق النار بهدف القتل” الممنهجة التي يتبناها جيش الاحتلال الغاشم ضد الشباب الفلسطينيين؛ ورغم ذلك، تحولت منصات التواصل الاجتماعي ومجالس العزاء في الخليل إلى تظاهرات شعبية تفتخر بالعملية، معتبرة أن دماء الشهيد النتشه تروي شجرة الحرية والاستقلال وتؤكد أن الاستيطان لن يمر دون كلفة أمنية وبشرية باهظة تدفعها حكومة اليمين المتطرف ومستوطنيها.
الفصائل الفلسطينية تبارك وترى في العملية رداً طبيعياً
من جانبها، سارعت حركات المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس إلى مباركة العملية والإشادة ببسالة المنفذ، حيث أصدرت الحركة بياناً سياسياً أكدت فيه أن هذه العملية الشجاعة تأتي كدليل قاطع على أن الشعب الفلسطيني لن ترهبه ترسانة الاحتلال العسكرية ولا وحشية واعتداءات عصابات المستوطنين المسلحة في قرى ومدن الضفة؛ وشددت الحركة على أن الشباب الثائر لن يقف مكتوف الأيدي أمام استمرار العدوان المتواصل على الأرض والمقدسات، ولا سيما محاولات تدنيس المسجد الأقصى المبارك وتوسيع الاستيطان.
وأضافت الحركة في بيانها الموجه للرأي العام أن “العدو المجرم لن يفلح في فرض مخططاته الاستيطانية والتهويدية، ولا في مساعيه الخبيثة لضم أجزاء واسعة من أرضنا وتهجير شعبنا؛ وسترتد هذه الجرائم والمشاريع غضباً ومقاومةً متصاعدة من أبناء شعبنا الفلسطيني، الذين أثبتوا عبر العقود أنهم لن يفرطوا بحقوقهم وثوابتهم وأرضهم مهما عظمت التضحيات”. هذا الموقف الفصائلي الموحد يوضح مدى تلاحم الحواضن الشعبية والسياسية خلف خيار المواجهة الميدانية لردع غطرسة المستوطنين وجيشهم.
تصاعد الرعب في الشارع الإسرائيلي والهروب نحو التصعيد العسكري
انعكست العملية بشكل فوري على الحالة النفسية والمعيشية للمستوطنين في منطقة جنوب الضفة الغربية، حيث سادت أجواء من الخوف والترقب الشديدين، وامتنع العشرات منهم عن استخدام الطرق الالتفافية المشتركة خوفاً من تكرار هجمات الدهس أو إطلاق النار؛ هذا الشلل الجزئي في حركة الاستيطان يعكس حجم “الرعب البنيوي” الذي يزرعه المقاومون الفلسطينيون في قلوب الإسرائيليين، والذين باتوا يدركون أن البقاء على هذه الأرض المغتصبة لا يمكن أن يحقق لهم الأمان الموعود من قيادتهم السياسية.
وفي محاولة لامتصاص غضب الشارع الصهيوني المتطرف وتغطية الفشل الدفاعي، شنت قوات الاحتلال الغاشم حملة مداهمات واسعة واقتحامات طالت مدينة الخليل وبلداتها المحيطة، وفرضت حصاراً مشدداً على عائلة الشهيد النتشه تمهيداً لاتخاذ قرارات انتقامية بهدم المنزل السكني واعتقال الأقارب؛ وهي السياسات العقابية التي يجمع خبراء العسكر على عدم جدواها في وقف العمليات، بل على العكس، تسهم في تعبئة الشارع الفلسطيني ودفع مزيد من الشباب نحو الانخراط في موجات الغضب الشعبي والمقاومة المسلحة.
أفق المواجهة المفتوحة في الضفة الغربية المحتلة
تثبت عملية الدهس الجريئة في “غوش عتصيون” أن الضفة الغربية المحتلة تقف على عتبة مرحلة جديدة وخطيرة من المواجهة المفتوحة والشاملة ضد مشاريع الضم والاستيطان؛ فالعملية لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت ضمن سياق متصل من العمليات الفدائية التي تضرب العمق الإستراتيجي للاحتلال وتستهدف خطوطه الدفاعية الأولى المتمثلة في البؤر الاستيطانية والمعسكرات المحيطة بالمدن الفلسطينية.
وفي المحصلة، فإن عملية الشهيد أمجد النتشه أسقطت الأوهام الأمنية التي يحاول قادة الاحتلال ترويجها لجمهورهم حول القدرة على تدجين الشارع الفلسطيني أو إخماد جذوة النضال بالقوة المفرطة؛ وبات واضحاً أن كل محاولة لفرض واقع التهويد أو حماية المستوطنين ستقابل بمزيد من الصمود والإبداع الميداني من قبل أبناء الشعب الفلسطيني، الذين يصرون على انتزاع حريتهم واستقلالهم وحماية مقدساتهم، وإبقاء جذوة المقاومة مشتعلة حتى زوال الاحتلال الغاشم عن كامل التراب الوطني.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين