تغيير حجم الخط ع ع ع

 

قبل أيام من إعلان الافتتاح الوشيك لأكبر مجمع سجون في مصر، أطلق عبد الفتاح السيسي أول استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في البلاد. إعلان السجن، الذي صدر “عرضيًا” خلال اتصال هاتفي مع برنامج حواري محلي، تناقض بشكل صارخ مع ما حاول النظام إبرازه خلال فعاليات مؤتمر حقوق الإنسان الذي استمر ثلاث ساعات.

هذه المفارقة لم تغب بطبيعة الحال عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين في مصر وعائلاتهم. ماذا عن آلاف المعتقلين الذين يقبعون خلف القضبان اليوم؟  أين تتناسب مع رؤية السيسي المعلنة؟

إنها حقيقة معترف بها عالميًا وهي أنه كلما كانت الكذبة أكبر، زاد تصديقها. بدأ حفل حقوق الإنسان بفيلم “وثائقي”: رواية مكتوبة بطريقة صحيحة، كاملة مع لقطات من الطائرات بدون طيار، وكاسح تصوير سينمائي، وابتسامات، وسعادة بادية على وجوه المتواجدين في تلك اللقطات، يؤكدون مطالبهم بحقوق المواطنة المتساوية، الخالية من التمييز اليومي.

الثماني دقائق من الرواية الوثائقية تحزم كل شيء. امرأة مسيحية تطالب بحرية ممارسة عقيدتها؛ فتاة صغيرة تطالب بالتعليم؛ صبي يطلب الحماية من جميع أشكال العنف.  حتى أنهم ينزلقون في سجين يطالبون بإعادة التأهيل بينما يقوم باجتهاد في أداء مهامه اليومية في سجن لا تشوبه شائبة.

طوال الوقت، يسرد الراوي إنجازات غير مسبوقة للنظام المصري، وبطبيعة الحال تم عزو كل هذه الإنجازات المزعومة إلى الجيش المصري فقط، وليس إلى مؤسسات الدولة المصرية بكاملها. تحدث التقرير المرئي عن الجهود في كبح جماح الإرهابيين الأشرار، وتعديل المناهج الدينية المنقحة، وزيادة تمثيل المرأة في السياسة والقضاء، والقوانين التي تحمي الأطفال، والوئام بين الأديان، والسكن الميسور التكلفة للأزواج الشباب. كما تحدث عن كيفية ضمان الدستور لحرية التعبير على الإنترنت وفي الواقع.

وهنا لا بد من الإشارة إلى ملاحظة جانبية مهمة: وهي أن أكثر من 630 موقعًا محجوبًا في مصر، منها 118 منفذًا إخباريًا و 16 موقعًا معنيًا بقضايا حقوق الإنسان.

 

 الظروف السيئة

وفي الوقت نفسه، في عالم موازٍ، فإن الظروف السيئة للسجون المصرية موثقة جيدًا، بما في ذلك التعذيب الممنهج للسجناء الذي تم ممارسته من خلال عدد كبير من سياسات الاعتقال التعسفي الجماعي، دون اللجوء إلى الإجراءات القانونية الواجبة؛ في ظل ظروف قاسية وغير إنسانية، وكذلك الحبس الانفرادي لفترات طويلة، ومنع الزيارات، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية، وحتى منع الأدوية، فضلًا عن جرائم الإخفاء القسري، والأكثر من ذلك القتل خارج إطار القانون، والذي مارسته السلطة كثيرًا، ووثقته عدد من المنظمات الحقوقية.

وفقًا لتقرير عام 2020 الصادر عن شبكة المنظمات غير الحكومية الدولية لحقوق الإنسان Ifex، توفي 917 سجينًا في أماكن الاحتجاز في مصر بين يونيو 2013 ونوفمبر 2019، مع زيادة كبيرة في عام 2019. ويشير التقرير إلى أن 677 من هذه الوفيات نجمت عن الإهمال الطبي.  و 136 بالتعذيب.

وبحسب ما ورد، وصفت لجنة مستقلة من خبراء الأمم المتحدة الانهيار المفاجئ في المحكمة، والوفاة في نهاية المطاف، للرئيس المصري الوحيد المنتخب ديمقراطياً، محمد مرسي، في عام 2019 بأنه شكل محتمل من أشكال “القتل التعسفي بموافقة الدولة”.

لقد احتُجز مرسي بمعزل عن العالم الخارجي لأسابيع بعد إقالته في انقلاب عسكري قاده قائد الجيش آنذاك السيسي في 3 يوليو 2013، بعد عام من ولايته. ثم احتجز طيلة 8 سنوات انفراديًا لا يرى أحدًا، ولا يراه أحد. وقد وصف مقرر خاص للأمم المتحدة حرمان مرسي من الرعاية الصحية بأنه مقصود.

كانت وفاة مرسي العلنية الدراماتيكية أحد أعراض الإهمال المتعمد الذي عانى منه ما يقدر نحو 60 ألف سجين سياسي في مصر.  منذ ثورة 2011، ارتفع عدد السجون في البلاد إلى 78 سجناً، بعد أن كان 43، وفقاً لتقرير أبريل 2021 الصادر عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.  ومع ذلك، فإن السعة الموسعة لم تحسن ظروف السجون ومرافقها.

محاولة لتجميل القبيح

السيسي -وبدلاً من إصلاح نظام العدالة المعطل الذي أدى إلى سجن الآلاف من الأشخاص الذين يُفترض أنهم أبرياء، والذين كانت جريمتهم الوحيدة هي معارضتهم لنظامه- اختار أن يخادع ويكذب ويقول: لا انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر. اختار أن يستخدم برنامجًا رقميًا لتعديل وتجميل الصورة بدلًا من إصلاح الواقع.

اختار السيسي أن يزعم أنه سيبني مرافق في السجن على الطراز الأمريكي، لكي يرضي المساجين، لكنه يتجاهل الانتهاك الأكثر جوهرية، وهو أن هؤلاء المساجين لا يُفترض بهم أن يكونوا في السجن من الأساس، فلا جريرةَ لهم سوى أنهم معارضون للنظام.

من المفارقات أن السيسي يريد أن يصمم مرافق مصر “الجديدة والمحسّنة” على نظام مليء بالانتهاكات الضمنية والصريحة لحقوق الإنسان، وأشكال الرق الحديثة والسجن الجماعي غير المبرر، على عكس نظام العدالة الجنائية الذي يعطي الأولوية لحقوق الإنسان.

ماذا عن آلاف المعتقلين الذين يقبعون خلف القضبان اليوم؟  أين تتقاطع هذه المظالم مع رؤية السيسي الطوباوية؟  متى سيتم تمثيلهم بشكل عادل أمام القضاء، مع ضمان حقوقهم القانونية؟  ما هو تعويضهم عن حياة ضائعة، بعيدًا عن أبنائهم وأسرهم؟

هل تتضمن المبادرة البراقة فقرة حول المصالحة والتعويض لأسر من ماتوا في السجون نتيجة الإهمال الطبي؟