تغيير حجم الخط ع ع ع

 

في لقاء حصري مع برنامج 60 دقيقة المذاع على قناة CBS الأمريكية، خرج المسؤول الاستخباراتي السعودي السابق سعد الجبري عن صمته واتهم محمد بن سلمان صراحة بأنه يخطط لقتله ويستغل كل نفوذه للنيل منه وهو في منفاه في الخارج.

في بداية اللقاء وصف سعد الجبري ولي العهد السعودي- محمد بن سلمان بأنه “مختل عقلياً” يشكل تهديداً كبيراً للسعوديين وللأمريكيين، بل وللكوكب بأكمله بسبب تصرفاته غير المسؤولة وطريقة تفكيره غير المتزنة.

كان سعد الجابري الرجل الثاني في المخابرات السعودية إلى أن أجبره محمد بن سلمان، على حد قوله، على الفرار من البلاد، بعد أن تولى [بن سلمان] ولاية العهد، ليصبح بن سلمان وريث العرش بينما سعد الجبري مطارد في المنفى الذي أجبر على البقاء فيه هرباً من محاولات بن سلمان لقتله بسبب المعلومات والأسرار التي يعرفها.

الاغتيالات والقتل المدبر ليس غريباً على النظام السعودي، شعر العالم بالرعب عندما أرسلت السعودية فرقة اغتيال إلى تركيا لقتل كاتب العمود في واشنطن بوست جمال خاشقجي بسبب آرائه المعارضة للنظام، أو لبن سلمان تحديداً، وفي المقابلة، صرح سعد الجبري أن بن سلمان أرسل فرقة اغتيال سعودية لقتله في كندا بعد فترة قصيرة من قتل خاشقجي.

كما ذكرنا، كان سعد الجبري الرجل الثاني في المخابرات السعودية، وكان من أفضل أصدقاء وحلفاء أمريكا في حربها ضد الإرهاب، واليوم، يطلب سعد مساعدة أمريكا، وبصفته خبير تجسس، يقول سعد الجبري إن لديه خدمة أخرى لأمريكا: تحذير من أمير لديه القوة لإزعاج العالم.

استهل الجبري لقائه محذراً العالم من خطورة بن سلمان، حيث قال “أنا هنا لأدق ناقوس الخطر للحذر من قاتل مختل عقليا في الشرق الأوسط يمتلك موارد لا حصر لها… إنه يشكل خطرا على شعبه وعلى الأميركيين وعلى الكوكب”.

وأضاف عن بن سلمان – الذي استولى على السلطة بعد الانقلاب على محمد بن نايف وريث العرش آنذاك في 2017 واعتقله بعد فترة- أنه “لا يتعاطف بن سلمان مع أحد، لا يمتلك أي عاطفة، ولا يتعلم من تجربته… جميعاً رأى بعينه الفظائع والجرائم التي ارتكبها هذا القاتل”.

في الواقع، إن ظهور الجبري في هذا اللقاء كان مفاجئة، حيث قال مقدم البرنامج سكوت بيلي إن مصدر من المخابرات الأمريكية أخبرهم أن الجبري لن يظهر أبداً في هذه المقابلة، خاصة وأنه عاش طويلاً أثناء أدائه الخدمة وهو يعمل في صمت، لذلك فإن ظهوره اليوم في هذا اللقاء هو مقياس لمدى يأسه -بحسب بيلي.

يبلغ سعد الجبري 62 عاماً من العمر، متزوج ولديه ثمانية أبناء، اثنين منهما رهن الاحتجاز في السعودية الآن. بدأ حياته كضابط شرطة ثم ترقى في منصبه حتى وصل إلى قمة المخابرات السعودية وحصل على الدكتوراه في علم الذكاء الاصطناعي.

لطالما كان ضيفاً في المكتب البيضاوي في الولايات المتحدة، مع السفراء الأمريكيين والقيادة العسكرية الأمريكية ومع مايكل موريل، القائم بأعمال المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية.

في لقائه مع سكوت بيلي، أشاد مايكل موريل بدور سعد الجبري الكبير ضد الإرهاب وصرح بأنه “من كبار المعجبين به”، مضيفاً “الدكتور سعد لامع للغاية، إنه مخلصاً بشكل لا يصدق لبلده…وبالتأكيد هو محترم للغاية”.

بدأت أزمة سعد الجبري مع بن سلمان عام 2017، حين وجد نفسه في الجانب المخالف لانقلاب محمد بن سلمان على محمد بن نايف، الذي كان رئيس سعد، وبناء عليه، فر الجبري إلى كندا ورفض العودة للسعودية. بن سلمان يجعل أسرة سعد تدفع ثمن فراره، في نفس يوم الانقلاب مُنع اثنان من أبناء الجبري من مغادرة المملكة.

سارة وعمر نجلي الجبري، خططا لاستكمال دراستهما الجامعية في الويلات المتحدة الأمريكية، لكنهما الآن في السجون السعودية، كما تم اعتقال صهر سعد الجبري أيضاً -زوج ابنته-، حيث تقول العائلة إنه اختطف من دولة ثالثة وأُعيد قسراً إلى السعودية.

تحدث خالد الجبري الابن الأكبر لسعد الجبري عما حدث لزوج شقيقته في السجن، يقول إنه “في أول ليلة اختطافه، تم جلده بأكثر من مائة جلدة. تعرض للتعذيب. وضُرب على ظهره وعلى رجليه”.

وحول أسباب اعتقاله، قال خالد “قيل له إنه تم اعتقاله وتعذيبه بالنيابة عن والد زوجته، أي والدي. حتى أنهم سألوه سؤالاً، من برأيك يجب أن نعتقل ونعذب حتى يعود الدكتور سعد إلى المملكة؟”.

هناك تشابه بين قصة عائلة الجبري وبين قصة الكاتب الصحفي في صحيفة واشنطن بوست جمال خاشقجي، أبرز منتقدي الأمير محمد.

قالت المخابرات الأمريكية في تقرير لها، إنه في عام 2018، بعد عام من انقلاب بن سلمان على بن نايف، قام الأمير محمد أرسل فريقًا إلى تركيا لاستدراج خاشقجي إلى قنصلية سعودية وتقطيع أوصاله.

في لقائه، قال سعد إنه بعد أيام، قبل أن يعرف مقتل خاشقجي للجمهور، تلقى تحذيرًا حول حياته، وقال إن صديق في جهاز مخابرات شرق أوسطي أخبره إن فريقا آخر كان متوجها إلى سعد في كندا.

بحسب سعد الجبري، كان نص التحذير الذي تلقاه “لا تكن على مقربة من أي بعثة سعودية في كندا. لا تذهب إلى القنصلية. لا تذهب إلى السفارة. أنا قلت لماذا؟ قالوا، قطعوا أوصال الرجل، وقتلوه. أنت على رأس القائمة.”

يقول سعد إن فريقًا مكونًا من ستة أفراد هبط في مطار أوتاوا في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2018، مضيفاً أن أعضاء الفريق كذبوا على أمن المطار حين سألهم حول وجود أي صلة بينهم، حيث أنكروا معرفتهم بعضهم البعض وحملوا معدات مثيرة للشبهات لتحليل الحمض النووي، لكن لم يُسمح بدخول الفريق وتم تم ترحيلهم.

لم تعلن السلطات الكندية صراحة عن هذه الواقعة، لكنها أكدتها بصورة ضمنية حيث صرحت “نحن على دراية بالحوادث التي حاولت فيها جهات أجنبية تهديد أولئك الذين يعيشون في كندا. هذا غير مقبول تمامًا.”

تعليقاً على هذا قال مايكل موريل حين سأله سكوت بيلي حول الطريقة التي تتعامل بها المخابرات في العالم في حالات مشابهة مع المعارضين “إنها ليست قاعدة في هذا العالم. إنها قاعدة لدول مثل روسيا وكوريا الشمالية. إنه ليس معيارًا لأي دولة أخرى في العالم تقريبًا”.

أكد الجبري في لقائه أن محمد بن سلمان يخشى من المعلومات التي يعرفها بحكم عمله السابق في المخابرات، لهذا يريد أن يتخلص منه.

وأضاف أن المعلومات التي يعرفها تضمن لقاء جمع الأمير محمد ورئيس المخابرات آنذاك، محمد بن نايف عام 2014، أي قبل ثلاث سنوات من الانقلاب، ويزعم الجبري أن الأمير الشاب تحدث لبن نايف متفاخراً بأنه يمكن أن يقتل الملك الجالس عبد الله لفتح طريق العرش أمام والده.

قال محمد بن سلمان في هذا اللقاء بحسب الجبري “قال له أريد اغتيال الملك عبد الله. حصلت على خاتم مسموم من روسيا. يكفي أن أصافحه وأنتهي من أمره…. هذا ما قاله، ربما كان حقيقة أو ربما من باب التباهي فقط، لكنه قال ذلك وأخذنا تصريحاته على محمل الجد”.

استخدم الجبري “نون الجماعة” في الحديث عن المخاوف المتعلقة بابن سلمان آنذاك، في إشارة إلى أن جهاز المخابرات السعودية أخذ تصريحات بن سلمان على محمل الجد وليس فقط بن نايف وسعد الذي أكد أن هذا الاجتماع مسجل في شريط فيديو توجد منه نسختين، يعرف مكانهما الحالي.

محمد بن سلمان يبلغ من العمر 36 عاماً فقط، يمتلك سلطة غير محدودة نيابة عن والده المريض، الملك سلمان، البالغ من العمر 85 عامًا.

يحظى الأمير بإعجاب البعض لأنه سمح للنساء بقيادة السيارات، وافتتحت دور السينما في عهده، وحل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين كانوا يتعاملون بتعسف وتطرف مع المواطنين في المملكة.

حول شعبية بن سلمان في المملكة، قال مايكل موريل “هناك مجموعتان من الناس في المملكة العربية السعودية. هناك من هم سعداء جدا بمحمد بن سلمان. إن 70٪ من السكان تحت سن الثلاثين. لكنه لا يحظى بشعبية لدى الحرس القديم، مع العائلة المالكة، لأنه غير النظام”.

التغيير الذي تحدث عنه موريل كان متهوراً للغاية في نظر الكثيرين، لقد تسببت حربه في اليمن في مقتل آلاف المدنيين فيما تقول الأمم المتحدة إنها قد تكون جرائم حرب.

من ناحية أخرى، دعا بن سلمان الزعيم اللبناني سعد الحريري لزيارة السعودية، واحتجزه كرهينة وأجبره على الاستقالة، كما اعتقل المئات من المنافسين المحتملين ولم يفرج عنهم إلا بعد أن تنازلوا على ثرواتهم، وسجن النساء المطالبات باحترام حقوق الإنسان، وقتل جمال خاشقجي.

بالحديث عن جرائم بن سلمان، أكد سعد الجبري أنه يتوقع أن يُقتل في يوم ما لأن “هذا الرجل لن يرتاح حتى يراني ميتاً”.

يريد بن سلمان التخلص من الجبري بالرغم من دوره الكبير في الدولة قبل سفره، يقول الأمريكيين إن له دور كبير في مساعدة أمريكا في الحرب ضد الإرهاب، فما الذي تعتبر الولايات المتحدة مدينة به لسعد الجبري؟ وهل حقاً أنقذ حياة الأمريكيين؟

في إجابته على هذا السؤال، قال مايكل موريل، القائم بأعمال مدير وكالة المخابرات المركزية ومستشار سي بي إس نيوز، الذي عمل عن كثب مع سعد من عام 2010 إلى عام 2013: “بالتأكيد أنقذ الدكتور سعد أرواح الأمريكيين. لقد أنقذ أرواح العديد من السعوديين وأنقذ حياة الأمريكيين كذلك… يمكنني التحدث عن الواقعة الشهيرة المعروفة بـ مؤامرة خرطوشة الطابعة”.

عام 2010، أخفى تنظيم القاعدة قنابل في طابعتين مكتبيتين، كانت الطابعتين في الجو، كبضائع، متوجهة إلى الولايات المتحدة على متن طائرتين، ربما كانت تهدف إلى الانفجار فوق المدن الأمريكية، ولكن بفضل المعلومات الاستخباراتية التي نقلها سعد الجابري، تم اعتراض القنابل أثناء التوقف.

وأشار موريل إلى أن هناك العديد من الحالات المشابهة التي أنقذ فيها الجبري حياة الأمريكيين لكنه لا يستطيع الإفصاح عنهم لأنهم لا يزالون في ملفات سرية.

وأضاف “هل أشعر ببعض الالتزام تجاه الدكتور سعد؟ نعم فعلا. هل الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تشعر بذات الشعور؟ الناس في وكالة المخابرات المركزية يشعرون بالفعل بهذا. كما تعلم، سواء كانت الدولة تعرف ذلك أم لا، لا أعرف. إنه سؤال صعب إلى حد ما”.

كان من الصعب على الرؤساء الوقوف في وجه محمد بن سلمان، ولم تفرض عليه إدارات ترامب ولا بايدن عقوبات علنية بعد مقتل خاشقجي، لم يعد النفط السعودي مهمًا كما كان في السابق، لكن مواجهة إيران – الأمر الذي أدى إلى تسامح معين مع هذا الأمير الذي يشكل خطراً.

لكن خلال رحلة الجبري، استطاع تكوين ثروة هائلة، ولأن بن سلمان يتبع أسلوب اتهام الخصوم بالفساد المالي، كان الجبري أحد هؤلاء الذين وُجهت إليهم تهم التربح غير المشروع من خلال المنصب الرسمي، وبالفعل تم رفع دعاوى ضد الجبري في الولايات المتحدة وكندا من قبل مؤسسات سعودية تتهمه بسرقة ما يصل إلى 500 مليون دولار من ميزانية مكافحة الإرهاب.

نفى الجبري بصورة قطعية قيامه بسرقة أموال الدولة، لكنه فسر الثروة الهائلة التي يمتلكها الآن بأنها نتيجة جهده.

قال الجبري: “كما تعلم، لقد خدمت نظامًا ملكيًا منذ عقدين. ثلاثة ملوك وأربعة أولياء للعهد. لقد كانوا لطيفين معي. لقد كانوا كرماء جدا. إنه تقليد في العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية. يعتنون بالناس من حولهم.”

تعليقاً على اتهام الجبري بالفساد، قال موريل “لا أعرف ما إذا كان الدكتور سعد فاسدًا حقاً أم لا. لن أتفاجأ إذا لم يكن فاسداً لأنه رجل محترم. لكنني أيضًا لن أتفاجأ إذا كان كذلك. الجميع في مرحلة ما قد يكونون كذلك، خاصة وأن الملك عبد الله كان يعطيهم صلاحيات كبيرة”.

لكن في الدعوى السعودية المرفوعة ضد سعد، قال القاضي الكندي إن هناك “أدلة دامغة على قيامه بالاحتيال”، وهكذا، جمدت أصوله بينما تمضي القضية قدما.

من جانبها رفضت الحكومة السعودية المشاركة في المقابلة، لكنها قالت في بيان لها أرسلته سفارة المملكة في واشنطن إن “سعد الجابري مسؤول حكومي سابق فاقد للمصداقية وله تاريخ طويل في التلفيق وخلق الأحداث المشتتة لإخفاء الجرائم المالية التي ارتكبها والتي تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات لتوفير أسلوب حياة فخم له ولأسرته… أشار إلى أن السرقة كانت مقبولة في ذلك الوقت. لكن هذا لم يكن مقبولا ولم يكن قانونيا آنذاك، ولم يعد كذلك الآن …الإصلاحات التي قادها ولي العهد وضعت حداً لهذا النوع من الفساد الجسيم. اليوم، تُستخدم عائدات الأمة لتمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة، والاستثمار في التكنولوجيا، والمساهمة في تنويع الاقتصاد، وتمكين الشباب والنساء، وبناء أمة يسود فيها التسامح والاعتدال والابتكار وريادة الأعمال – نقيض ما كان يبحث عنه الجبري عندما ارتكب جرائمه “.

بالرغم من كافة المشاكل والتهديدات التي تحيط بالجبري الآن، أكد أنه لا يفكر إلا في نجليه المعتقلين في السعودية الآن، لقد بكى خلال اللقاء، وناشد الجميع للمساعدة في الإفراج عنهما، قال “عليَّ أن أتكلم. إنني أناشد الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية لمساعدتي في إطلاق سراح أبنائي واستعادتهم”.

وخلال اللقاء كشف الجبري أنه سجل “مقطع مصور له” يكشف فيه المزيد من أسرار العائلة المالكة والولايات المتحدة، وقال إنه سجله للنشر في حال قتله، ولقد أعطى البرنامج مقطعاً منه، كما يتضمن رسالة إلى عمر وسارة.

قال الجبري إنه قال لنجليه “أنا آسف. لقد بذلت قصارى جهدي”.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا