يتجاوز المشهد المأساوي الراهن في إقليم دارفور، ولا سيما في مدينة الطينة الحدودية والمناطق المحيطة بها، حدود الصراع العسكري التقليدي بين قوى مسلحة؛ ليتحول إلى إستراتيجية تدمير شاملة وممنهجة تستهدف مقومات البقاء الإنساني الأساسية.

إن لجوء ميليشيا الدعم السريع إلى استخدام الطائرات المسيرة لقصف وتدمير البنى التحتية المائية، مثل خزان “باسو” الإستراتيجي، يعكس تحولاً خطيراً نحو سلاح “التعطيش الجماعي” كأداة لحسم المعارك والتهجير القسري للسكان والنازحين. هذا التصعيد العسكري والدعم التقني اللوجستي الذي تحظى به الميليشيا يضع دولة الإمارات العربية المتحدة في واجهة الاتهام الدولي والإقليمي، بوصفها الممول والداعم الرئيس لهذه التحركات التي تهدف إلى تفكيك الدولة السودانية والسيطرة على مقدراتها.

وتأتي الهجمات المتتالية على مصادر المياه والأسواق الشعبية ودور العبادة لتؤكد أن الخيارات الميدانية للميليشيا لا تستهدف المواقع العسكرية للقوة المشتركة أو الجيش السوداني، بل تتركز بشكل مباشر على الحواضن المدنية ومصادر رزقهم وحياتهم اليومية. ويأتي هذا التدمير الممنهج في ظل تدفق مستمر لإمدادات السلاح والعتاد عبر الحدود، مما يبرهن على وجود إرادة إقليمية لإطالة أمد الحرب وتحويل مناطق واسعة من السودان إلى مناطق غير قابلة للحياة السكنية أو الزراعية.

تدمير خزان باسو وسلاح التعطيش الجماعي

تمثل الحادثة الأخيرة التي شهدتها منطقة غرب مدينة الطينة السودانية، والمتمثلة في الاستهداف المباشر لخزان مياه “باسو” عبر غارات متتالية بطائرات مسيرة، نموذجاً صارخاً لجرائم الحرب الموجهة ضد المدنيين؛ فالخزان الذي يعد شريان الحياة الأوحد لأكثر من مائة ألف نسمة من السكان الأصليين والنازحين الفارين من جحيم المعارك في مناطق أخرى، جرى تفجيره بالكامل وتسييل آلاف الأمتار المكعبة من المياه العذبة في بيئة صحراوية قاسية تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.

هذا القصف لم يتسبب فقط في مقتل وإصابة مدنيين وتدمير البنية الخرسانية للمنشأة المائية، بل أدى إلى نفوق أعداد هائلة من الماشية التي تمثل العصب الاقتصادي ومصدر الرزق الوحيد لآلاف الأسر في تلك المناطق. إن اختيار هذا التوقيت وهذه الأهداف الحيوية يوضح أن ميليشيا الدعم السريع تتبنى إستراتيجية واضحة تقوم على تجفيف مصادر المياه لتعطيش وتجويع المجتمع المحلي، ودفع من تبقى من المواطنين إلى النزوح القسري نحو الحدود التشادية، مما يسهل عملية السيطرة الجغرافية على تلك المناطق وإخلائها من سكانها الأصليين.

التمويل الإماراتي وشبكات الإمداد العسكري للميليشيا

لا يمكن فصل الطفرة العسكرية والتقنية التي تشهدها عمليات ميليشيا الدعم السريع، ولا سيما الاستخدام المكثف والمنظم للطائرات المسيرة الحديثة، عن شبكات الدعم المالي واللوجستي التي تقودها دولة الإمارات؛ فالتقارير والتحليلات الإستراتيجية تؤكد أن الميليشيا تعتمد بشكل كلي على غطاء سياسي وممرات إمداد وتدفقات مالية وعسكرية مستمرة تُشرف عليها أبوظبي عبر محطات إقليمية مختلفة، مستغلة المنافذ الحدودية لتمرير السلاح والعتاد المتطور تحت لافتات إنسانية أو تجارية ضلّلت الرأي العام الدولي لسنوات.

إن توظيف الطائرات المسيرة في تدمير المنشآت المائية والمدنية في الطينة وكرنوي يثبت أن الدعم الإماراتي يتجاوز الرغبة في إسناد حليف سياسي، ليصل إلى التورط المباشر في هندسة عمليات التطهير العرقي والتدمير البنيوي للاقتصاد والمجتمع السوداني. وتسعى أبوظبي من خلال هذا التمويل السخي والمنظم للميليشيا إلى ضمان ولادة نظام تابع وموالٍ لها في الخرطوم، يتيح لها السيطرة على الموانئ البحرية الإستراتيجية، والاستحواذ على الأراضي الزراعية الشاسعة والثروات المعدنية، حتى لو كان ثمن ذلك سحق ملايين السودانيين وإغراق البلاد في فوضى شاملة وحروب أهلية لا تنتهي.

اتساع نطاق القصف واستهداف الحواضن المدنية والأسواق

لم يتوقف السلوك التدميري للميليشيا المدعومة إماراتياً عند حدود المنشآت المائية، بل امتد ليشمل قصفاً عنيفاً ومنظماً للمراكز الحيوية والتجمعات السكانية ودور العبادة؛ حيث طالت الغارات الجوية والمسيرات المسجد الكبير في بلدة الطينة وسوقها المركزي، بالإضافة إلى استهدافات مماثلة في مدينة كرنوي ومناطق شقق كرو وشمال كتم وخزان أورشي الإستراتيجي، مما أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والمصابين، أغلبهم من النساء والأطفال الذين لا علاقة لهم بالمواجهات العسكرية.

هذا النمط من الاستهداف الواسع للأسواق والمساجد والمنشآت الخدمية يكشف عن رغبة في تحطيم السلم المجتمعي ومقومات الاستقرار؛ فالسوق يمثل المركز الحيوي الوحيد لتوفير الغذاء والدواء وتبادل السلع بين المجتمعات المحلية والنازحين، وتدميره يعني فرض حصار تجاري واقتصادي خانق يكمل الدور الذي بدأه سلاح التعطيش بقصف الخزانات. هذا التصعيد الممنهج يعكس ضيق خيارات الميليشيا الميدانية وفشلها في تحقيق اختراقات عسكرية حاسمة بوجه القوات المسلحة والقوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح، مما يدفعها لتفريغ عجزها عبر ترويع المدنيين وسحق ممتلكاتهم.

تجنيد الأطفال وحشود الصحراء

تكشف المعطيات الميدانية والبيانات الصادرة عن القيادات العسكرية للقوة المشتركة عن ملمح آخر من ملامح التدهور الأخلاقي والإنساني في صفوف ميليشيا الدعم السريع، حيث تم رصد حشود عسكرية ضخمة في المناطق الصحراوية المتاخمة للبلدات المستهدفة، تتألف غالبيتها الساحقة من الأطفال والقاصرين المقاتلين المزودين بآليات وأسلحة مختلفة. هذا الاعتماد المفرط على تجنيد الأطفال واستخدامهم كوقود للمعارك يوضح مدى استنزاف القوة البشرية للميليشيا، ولجوئها إلى أساليب غير قانونية لتعويض خسائرها الميدانية.

إن زج آلاف الأطفال في معارك صحراوية معقدة يعكس استهتار القيادة العسكرية للميليشيا بالقرارات والقوانين الدولية التي تحظر عسكرة الطفولة، كما يكشف عن البنية القبلية والجهوية التي تعتمد عليها الميليشيا في الحشد عبر التغرير بالصغار ودفعهم نحو محارق الموت لخدمة أجندات سياسية وأطماع إقليمية لدول راعية وعلى رأسها الإمارات، مما يهدد بمحو جيل كامل من الشباب السوداني وتحويل الإقليم إلى بؤرة مستمرة للعنف والجهل والتطرف.

تواطؤ المجتمع الدولي وصمت القوى الكبرى

تستمر ميليشيا الدعم السريع في ارتكاب هذه الفظائع والجرائم الموصوفة ضد الإنسانية مستفيدة من حالة الشلل التام والتواطؤ المطبق الذي يبديه المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية؛ فالإدانات الخجولة والبيانات الدبلوماسية الفضفاضة الصادرة عن مجلس الأمن أو العواصم الغربية لا تتناسب مطلقاً مع حجم الكارثة الإنسانية وحرب الإبادة المائية والغذائية التي يتعرض لها الشعب السوداني في دارفور وبقية الولايات.

هذا العجز الدولي المفتعل يمنح الميليشيا وحلفاءها الإقليميين، وبخاصة الإمارات، الطمأنينة الكاملة لمواصلة خرق القوانين الإنسانية، وتدمير المنشآت المحمية دولياً بموجب اتفاقيات جنيف مثل خزانات مياه الشرب والمستشفيات ودور العبادة. إن غياب آليات محاسبة دولية رادعة، والتغاضي عن تتبع مسارات الأموال والأسلحة التي تتدفق من أبوظبي صوب الميليشيا، يسهم بشكل مباشر في استمرار المأساة، ويجعل من المنظومة الدولية شريكاً صامتاً في جريمة تعطيش وتجويع وتهجير الشعب السوداني وتفتيت كيانه الوطني الموحد.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين