يواجه ملايين المرضى في السودان، وفي مقدمتهم المصابون بداء السكري والأمراض المزمنة، فصلاً مرعباً من فصول حرب الإبادة والتجويع؛ إذ لم يعد الصراع مقتصراً على النجاة من مقذوفات الأسلحة الثقيلة وغارات الطائرات المسيرة، بل تعداه إلى صراع يومي ومرير للحصول على جرعة إنسولين منقذة للحياة وتضمن الحد الأدنى من شروط الصلاحية الحرارية. هذا المأزق الإنساني، الذي تصفه التقارير الأممية بأنه الأسوأ عالمياً، يمثل النتيجة المباشرة لتركة التدمير الممنهج التي تقودها ميليشيا الدعم السريع المتمردة، بدعم مالي ولوجستي وعسكري مطلق من دولة الإمارات، التي أصرت على سحق البنية التحتية الطبية وتفكيك المنظومة الصحية وتحويل حياة المدنيين إلى جحيم مستعر لخدمة تمددها الإقليمي المشبوه.

وتسبب الاستهداف المباشر للمرافق والمنشآت الحيوية في انهيار كامل لقطاع الرعاية الصحية؛ حيث توقفت مصانع الأدوية المحلية التي كانت تؤمن الاكتفاء الذاتي للبلاد، وأغلقت المستشفيات أبوابها، وتعطلت سلاسل التوزيع الوطنية. هذا الواقع المأساوي دفع بالمرضى إلى الاعتماد القسري على سوق سوداء تعج بمستحضرات تالفة ومجهولة المصدر، ليصبح الدواء المهرب، بدلاً من أن يكون ترياقاً للشفاء، بمثابة سم زعاف يهدد بإنهاء حياة آلاف الأبرياء نتيجة غياب التبريد وسوء التخزين تحت وطأة الفوضى الأمنية العارمة.

الإنسولين التالف.. الموت الصامت لمرضى السكري في العاصمة

من داخل منزله المتضرر بفعل القذائف العشوائية في حي الخرطوم الشمالي بالعاصمة المحتلة، يروي المواطن الخمسيني مرتضى محيي الدين للجزيرة جانباً من المأساة الطبية التي يعيشها؛ حيث يوضح أن الحصول على الإنسولين بات أمراً شبه مستحيل، وإن وُجد فإنه غالباً ما يكون فاسداً وتالفاً نتيجة الانقطاع الشامل للكهرباء وسوء التخزين الحراري، دون القدرة على التمييز البصري بين الجرعة السليمة والتالفة. هذا الوضع يدفع بالمرضى إلى تقنين جرعاتهم المحدودة والمخاطرة بحياتهم عبر حقن أنفسهم بمواد قد تفقد خواصها العلاجية تماماً، مما يعرضهم لخطر الدخول في غيبوبة السكري الوعائية أو الفشل العضوي المباشر.

ومنذ اندلاع الحرب المفروضة على الشعب السوداني في أبريل/ نيسان 2023 جراء تمرد ميليشيا الدعم السريع ورفضها الاندماج في المؤسسة العسكرية الرسمية، تصاعدت معدلات الوفيات الصامتة جراء غياب الرعاية الطبية؛ فالإحصاءات الرسمية تشير إلى مقتل أكثر من 50 ألف شخص ونزوح نحو 14 مليوناً آخرين، في حين يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في أبريل/ نيسان الماضي أن السودان بات يمثل أسوأ أزمة إنسانية على وجه الأرض، حيث يفتقر 21 مليون شخص إلى خدمات الرعاية الأساسية من أصل 34 مليوناً بحاجة ماسة للمساعدة الطبية والغذائية العاجلة.

“أدوية بوكو” المهربة.. تجارة الموت تزدهر تحت رعاية الفوضى

أتاحت الفوضى الأمنية العارمة وإغلاق وتدمير المصانع الدوائية الوطنية فرصة ذهبية لشبكات التهريب المرتبطة بقوى التمرد للاغتناء السريع على حساب آلام الجرحى والمرضى؛ حيث أُغرقت الأسواق الموازية بشحنات أدوية غير خاضعة لأي رقابة مخبرية أو صحية، وبأسعار فلكية باهظة، تُعرف محلياً باسم “أدوية بوكو”. وتشمل هذه التجارة القاتلة حقناً وريدية مخصصة لعلاج الملاريا الحادة والأمراض الالتهابية، والتي تتحول إلى مركبات كيميائية سامة نتيجة تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة أثناء رحلات التهريب الصحراوية الطويلة عبر الحدود المفتوحة.

وحذر حمزة متوكل، وهو صيدلي مقيم في مدينة أم درمان، من أن الاعتماد على هذه القنوات غير المنظمة لجلب العلاجات، وبخاصة الحقن التي تُعطى مباشرة في المجرى الدموي، يمثل تهديداً إسعافياً مباشراً للأرواح؛ فالعلاجات الوريدية تتطلب تعقيماً مطلقاً وظروف حفظ دقيقة للغاية، وإعطاء حقن “البوكو” الملوثة أو التالفة يؤدي في الغالب إلى حدوث التهابات بكتيرية حادة في الدم (تسمم دموي) وصدمات جهازية حادة تقود إلى الوفاة السريعة، مما يجعل هذه الأدوية سلاحاً بيولوجياً غير مباشر يضاف إلى ترسانة الميليشيا الدموية.

شلل المنظومة الطبية وحصار المدن الإستراتيجية

انقلب الوضع الصحي في السودان رأساً على عقب؛ فبعد أن كانت المصانع المحلية تلبي الاحتياجات الأساسية لعلاجات ضغط الدم والسكري ونزلات البرد ورعاية الطفولة، تسببت الحرب في توقف كامل لـ 40% من المرافق الصحية على مستوى البلاد، وتصاعدت النسبة لتصل إلى إغلاق 87% من مشافي الخرطوم و85% من مرافق كردفان. ويمتد الإجرام الميليشياوي ليحاصر مستشفى الولادة الوحيد المستمر في تقديم خدماته بمدينة الفاشر، مما يهدد بإغلاقه الوشيك وحرمان آلاف النساء والأطفال من الرعاية التوليدية الطارئة، بحسب تقارير صندوق المتحدة للسكان.

وتتضاعف المعاناة مع استمرار الحصار الخانق الذي تفرضه قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر منذ أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مما أدى إلى احتجاز نحو 700 ألف مدني، معظمهم من النساء والأطفال، وسط هجمات مدفعية متكررة وانقطاع تام لإمدادات الغذاء والدواء؛ هذا التوظيف العسكري لمعاناة المدنيين ومنع وصول الشحنات الإغاثية الدولية، التي يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية أنها قد تستغرق 90 يوماً للوصول من دول الجوار إلى دارفور، يوضح النزعة الجرمية للميليشيا التي تسعى لتركيع الحواضن الشعبية عبر سلاح المرض والجوع.

السطو المسلح وتدمير المستشفيات بالمسيرات الانتحارية

لم تكتف الميليشيا المدعومة من أبوظبي بتعطيل خطوط الإمداد، بل مارست عمليات سطو ونهب ممنهجة وواسعة النطاق طالت الصيدليات المركزية ومخازن المستشفيات المتبقية؛ وشنت هجمات وحشية باستخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والمقذوفات الموجهة استهدفت بشكل مباشر مستشفيات ميدانية في دارفور وولاية النيل الأزرق، في إطار سياسة الأرض المحروقة الرامية لتدمير أي مظهر من مظاهر الاستقرار أو الحياة المدنية في المناطق الخارجة عن سيطرتها.

هذا التدمير العبثي دفع بالمدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إلى إطلاق صرخة تحذيرية أخيرة من الانهيار التام والوشيك للنظام الصحي بأسره في السودان، معتبراً أن الأزمة الحالية تمثل واحدة من أخطر حالات الطوارئ الإنسانية في التاريخ الحديث؛ وشدد غيبريسوس على أن هذه الفظائع تعد تذكيراً صارخاً للمجتمع الدولي بضرورة تجديد التضامن واتخاذ إجراءات سياسية وإنسانية حاسمة لوقف النزيف، مؤكداً أن “السودان لا يمكنه تحمل وطأة هذه الأزمة بمفرده” في ظل التكالب الإقليمي عليه.

الإرادة الوطنية في مواجهة حرب الإبادة والمؤامرات الخارجية

رغم الدمار والخراب الذي عصف بالبنية التحتية الطبية وتحويل المنشآت العامة إلى ركام، تحاول الكوادر الطبية الوطنية والصندوق الوطني للإمدادات الطبية الممول حكومياً الصمود وتحدي الحصار، حيث أعلن الصندوق عن نجاحه في تأمين 75% من أدوية مرضى السرطان والفشل الكلوي بشكل عام عبر مسارات بديلة ومعقدة، في ملحمة إنسانية تؤكد إصرار الدولة ومؤسساتها الرسمية على حماية المواطنين ودعم صمودهم في وجه آلة الحرب المسعورة.

وفي المحصلة، فإن مأساة “الإنسولين الفاسد” وأدوية “البوكو” السامة تعري الوجه الحقيقي للمشروع الإماراتي في السودان، والذي لم يكتف بتمويل المرتزقة بالسلاح الفتاك، بل ساهم في خلق بيئة وبائية وصحية كارثية تستهدف تصفية الشعب السوداني جسدياً وعرقياً؛ إن صمود المؤسسة العسكرية والتفاف الحواضن الشعبية والكوادر الطبية خلف خيار الحسم وتطهير البلاد يمثل الصخرة التي تتكسر عليها مؤامرات التفتيت والتقسيم، مؤكدة أن دماء الشهداء وآلام المرضى ستظل وقوداً لمعركة الكرامة الوطنية حتى دحر الميليشيا المتمردة وقطع دابر مموليها الإقليميين.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين