تغيير حجم الخط ع ع ع

لم يعد خافيا أن الإمارات العربية المتحدة تشن حربا طاحنة ضد جارتها العربية قطر لأسباب متداخلة يأتي في مقدمتها الرعب الإماراتي من الصعود القطري الواضح، والذي يهدد المليارات التي أنفقتها الإمارات على تقديم نفسها للعالم كعاصمة الريادة المعيشية في الشرق الأوسط، وهو اللقب الذي تهدده الدوحة، مستضيفة بطولة كأس العالم المقبل، بشكل حرج وفعال.

 

يبدو إذن واضحا أن الإمارات لا تقبل أي منافسة على موقعها المتوهم من الريادة، تصلب إماراتي وصل إلى حد تجاوز كافة الخطوط الأخلاقية والعرفية والقومية، لكن هذا التصلب سرعان ما تلاشي تماما أمام الاحتلال الصهيوني الذي ارتمت الإمارات في أحضانه غير مكترثة بالموقف العربي المناهض للتطبيع ولا عدالة القضية الفلسطينية بين كافة شعوب الأرض.

 

لم تتهاون الإمارات مع صعود الاحتلال وحسب، بل تحول تصلبها الشرس ضد الجارة القطرية إلى تصلب أكثر شراسة في مساعدة الاحتلال على التواجد في المنطقة بشكل أكثر عنفوانية وفرضا على الجمهور العربي المناهض لكافة أشكال التطبيع مع المحتل الصهيوني، والذي عبرت جموعه عن ذلك الرفض في كل مناسبة ممكنة رغم القمع المستشري في البلدان العربية، والتي تقف خلفه أيضا -للمفارقة- الإمارات نفسها! 

 

وعلى مدار سنوات، يحاول الكيان الصهيوني تسويق تل أبيب كعاصمة تقنية بالمنطقة أو “سيلكون فالي الشرق الأوسط” كما تطلق عليها وسائل الإعلام العبرية حصرا، لكن بطبيعة الحال كان العزوف الإقليمي حاجزا أكبر أمام أوهام الاحتلال وطموحات انتشاره وتوسعه. لكن هذا الوضع تغيّر جذريا مع اتفاق التطبيع بين الكيان والإمارات، التي أصبحت متنفس دولة الكيان لإعادة تقديم نفسها للعالم الخارجي.

 

واستجابة لذلك، وفي إطار التطبيع والتعاون الاقتصادي بين الإمارات و”إسرائيل”، تستضيف دبي، لأول مرة خارج الكيان المحتل، مؤتمر “سيدات وأعمال” الذي تنظمه شركة إسرائيلية، حيث ذكرت صحيفة “إسرائيل هيوم” أن مؤتمر “سيدات وأعمال” السادس، الذي تنظمه شركة “ساميط اكسبرس” الإسرائيلية، سيُعقد لأول مرة في دبي بين 18 و21 حزيران/ يونيو الجاري بمشاركة 250 سيدة من “إسرائيل” والإمارات.

 

وقالت الصحيفة نقلاً عن القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في الإمارات ايتان نائيه إن “جزءاً من اللقاءات التي تم التخطيط لها أُلغيت بسبب الإسرائيليين، بعد إلغاء وتأجيل بعثات لإسرائيليين”، لافتا إلى أنّ “الإماراتيين من جانبهم يتوقعون قدوم وفود ويبادرون هذه الأيام لإقامة مؤتمرات واستضافة بعثات إسرائيلية. لا يمكن القول إنه لم يطرأ تغيير على الأجواء”.

 

وغير بعيد، تنظم “إسرائيل” والإمارات تعاوناً في مجالات عدة، من بينها الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. ففي سياق تعزيز وتكثيف “تعاونهما” بعد اتفاق التطبيع بينهما، في القطاع الإلكتروني ومجال أمن المعلومات والسايبر، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن “تكريم إسرائيل” من قبل الإمارة الخليجية في مؤتمر حماية السايبر “GISEC” الذي أقيم في دبي في حزيران/ يونيو الجاري، حيث قال رئيس أمن السايبر في الحكومة الإماراتيّة محمد الكويتي إن “تبادل المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية يساعد بلاده في ردع محاولات القرصنة وحلها”، متحدّثاً عن أول تعاون استخباراتي مع الإمارات.

 

هذا التعاون المحموم يأتي متماشيا مع مواقف الإمارات التي لم تترك شاردة ولا واردة لخدمة الاحتلال الصهيوني إلا وسعت بجدية وجهد مشهود لتفعيلها، لا سيما مع نشاط السفير الإماراتي في دولة الكيان الصهيوني، محمد آل خاجة، في نشر وتثبيت أركان التطبيع الإماراتي الصهيوني، بعدما بدا الرجل حاضرا على الدوام في كل مشاهد التطبيع، للدرجة التي وصلت إلى حد زيارة آل خاجة للزعيم الروحي لحركة (شاس) الدينية المتطرفة الحاخام شالوم كوهين في منزله بالقدس، وخلال الزيارة، هاجم السفير الإماراتي قناة الجزيرة واتهمها بـ”تأجيج الجنون” في المنطقة، كما هاجم جماعة الإخوان المسلمين وأدوارها في دعم المقاومة شعبيًا.

 

وباتت الصورة تزداد قتامة يوما بعد يوم، بتصرفات استفزازية لا تتوقف، حيث نشرت وزارة خارجية الكيان الصهيوني مقاطع مصورة بتاريخ 14 يونيو الجاري لزيارة وفد الإماراتي لمستوطنة “مودعين عيليت” وهي مستوطنة تأسست عام 1994 ومخصصة لليهود “الحريديم المتشددين”، الذين وصل عددهم في عام 2010 إلى 48,100 مستوطن تقريبا، وهي إحدى المستوطنات المُقامة على أراضي الفلسطينيين المسلوبة غربي رام الله، وأفادت وسائل إعلام صهيونية أن الوفد قدم دعما ماليا سخيا للمستوطنة، كما تعرف الوفد على الديانة اليهودية، وبالطبع احتفى الإعلام الصهيوني بهذه الزيارة.


ولطالما حملت الإمارات على كاهلها مشروعا لتغيير هوية المنطقة العربية بأكملها، ولكن الغريب -وربما لا نشهده كثيرا في التاريخ إلا في نوادر الأغبياء- فإن سعي الإمارات الحثيث لوأد آمال المنطقة العربية في التغيير لا تهدف لمنحها الزعامة، بل تمنح القيادة للعدو الإسرائيلي، في واحدة من أغرب مستهدفات العمل السياسي، حيث تبذل الإمارات قصاري جهدها لنصرة إسرائيل وفرض زعامة الصهاينة على رقاب العرب، وتبذل الإمارات في سبيل ذلك جهودا غير عادية تتجاوز حتى ما تبذله دولة الكيان لتحقيق الهدف ذاته.

 

وخلال حقبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، اليميني المؤيد لإسرائيل، صالت الإمارات وجالت بغية تعزيز الصعود الإسرائيلي في المنطقة العربية على حساب العرب، ووجدت أبو ظبي في إدارة ترامب خير معين على تحقيق ذلك، وهو ما أسفر في النهاية عن تحقيق إسرائيل ما اعتبرته أبو ظبي (مكاسب تاريخية) لم تتحقق في عمر الاحتلال منذ تأسيسها المزعوم.

 

كانت ملامح خطة الإمارات لتصعيد إسرائيل تتحرك بنجاح، وبدا كل شيئ ينذر باقتراب إعلان إسرائيل زعيمة للمنطقة العربية، وظهر بجلاء حجم الإخلاص والسعي الحثيث الذي تمتعت به إمارات الأبراج الفارهة في خدمة إسرائيل، ونجحت المليارات الإماراتية في شراء ذمم المأجورين من السياسيين والكتاب والإعلاميين وعدد ممن يطلق عليهم نخبة المثقفين العرب، مما أسفر في النهاية عن حضور غير مسبوق لاسم إسرائيل إيجابيا على الشاشات العربية.

 

وبطبيعة الحال، فإن الإعلام الإماراتي بات من الصعب تمييزه عن نظيره العبري سوى في شكل الحرف المكتوب به الأخبار والمقالات، فضلا عن الحماس الضخم لدعم إسرائيل بقوة قد لا نجدها في المواقع الإسرائيلية نفسها، وباتت أبو ظبي وجهة الصهاينة المثالية لحضور الوفود والفعاليات التي تستضيف إسرائيليين.

 

لكن الصمود الفلسطيني الأخير في الضفة وغزة والقدس هدم كل تلك المساعي التطبيعية رأسا على عقب وأعاد بوصلة القضية إلى موضعها في نفوس الأجيال الصاعدة، وعزز من حضور القدس كرمزية جامعة للقضايا العربية وشعوب المنطقة على اختلاف تنوعاتها الثقافية والعرقية، وربط اسم إسرائيل عالميا بالإرهاب والعدوان، وجدد ذاكرة الأجيال بأن القدس قضية كل عربي شريف حر حول العالم.

 

وبالفعل، لم تجن الإمارات من ملياراتها المهدرة على التطبيع سوى مزيد من الحسرة والندامة بعدما نجح الصمود الفلسطيني في كسر شوكة مسار التطبيع، وفرض على العالم التعامل بصورة مختلفة بحقوقه التي قاتلت الإمارات لإقناع العالم بأنها باتت من الماضي، وأقيمت المآتم في أبو ظبي أكثر منها في تل أبيب، ليبدو للعالم أجمع أن الخاسر الأكبر من الصمود الفلسطيني ليست إسرائيل، وإنما الإمارات!