في فضيحة سياسية مدوية تسلط الضوء على تلاعب دويلة الإمارات بالأنظمة الديمقراطية واستغلال النفوذ المالي لتوجيه السياسات الخارجية، كشف تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني عن تورط أعضاء بارزين في مجلس اللوردات البريطاني بالعمل لصالح شبكة ضغط واستشارات دولية تُديرها وتُمولها أبوظبي؛ وتأتي هذه الفضيحة لتكشف كيف تخترق الأموال الإماراتية المؤسسات التشريعية العريقة في لندن لصياغة قرارات تخدم مصالحها، وتلميع صورتها المشوهة دولياً جراء تورطها في ملفات إقليمية دامية، على رأسها دعم مليشيات التخريب في السودان.
ووفقاً للوثائق، فإن شركة الاستشارات متعددة الجنسيات جرى تسجيلها رسمياً كجهة تمارس أنشطة الضغط والترويج نيابة عن الإمارات وتعمل الشركة كأداة اختراق لدوائر صنع القرار عبر توظيف لوردات وسياسيين بريطانيين نافذين لتأمين قنوات اتصال مباشرة وتوجيه المحتوى الإعلامي والسياسي لصالح السفارة الإماراتية في لندن.

لوردات وسياسيون سابقون في الخدمة مدفوعة الأجر
وأثار الكشف موجة عارمة من الانتقادات والشكوك الأخلاقية من قِبل منظمات الشفافية، بعد فضح أسماء برلمانية بارزة تعمل بأجر لدى هذه الشبكة، ومن بينهم:
- ثانغام ديبونير: العضو في مجلس اللوردات عن حزب العمال ووزيرة الثقافة السابقة في حكومة الظل.
- روث بورتر: العضو المحافظ في مجلس اللوردات ونائبة رئيس الموظفين السابقة لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة ليز تروس.
- أندرو كوبر: العضو غير المنتمي لمجلس اللوردات والمستشار السياسي الإستراتيجي الأسبق لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون.
ورغم محاولات الشركة التملص بادعاء أن هؤلاء الأعضاء لا يباشرون الملف الإماراتي بشكل مباشر، إلا أن رئيس قسم الأبحاث والتحقيقات في منظمة الشفافية الدولية بالمملكة المتحدة، ستيف جودريتش، أكد أن تداخل المناصب التشريعية مع جماعات الضغط لحساب حكومات أجنبية يجعل من المستحيل معرفة المصالح الحقيقية التي يتم تمثيلها؛ مشدداً على أن “أعضاء مجلس اللوردات موجودون لخدمة الجمهور البريطاني، وليس لفتح الأبواب الخلفية لصالح أصحاب المصالح المالية والمستبدين”.
تبييض السمعة الدولية والتغطية على المحرقة السودانية
يرى مراقبون أن استماتة الإمارات في شراء خدمات شركات الضغط الدولي -والتي لم تقتصر على بريطانيا بل امتدت بالتوازي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن للتأثير في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وقادة الأعمال- تأتي كمحاولة بائسة للالتفاف على الاتهامات الدولية الموثقة التي تلاحقها؛ وتسعى أبوظبي عبر هذه الأذرع المأجورة لغسل سمعتها والتغطية على دورها الإجرامي في حرب السودان، حيث تؤكد التقارير والمنظمات الحقوقية تقديم الإمارات دعماً عسكرياً ولوجستياً مستمراً لمليشيا ” الدعم السريع”؛ وهي الحرب التي تسببت في إبادة وتشريد الملايين وخلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وتكشف القضية برمتها اتساع اعتماد النظام الإماراتي على إستراتيجية “تزييف الوعي” واختراق العواصم الغربية بالمال السياسي؛ وتطرح تساؤلات أخلاقية عميقة حول مدى قدرة الرأسمالية المشبوهة على توجيه السياسات العامة؛ الأمر الذي أعاد قضية الشفافية بقوة إلى الواجهة داخل بريطانيا، وسط مطالبات برلمانية وشعبية متصاعدة بفرض قوانين صارمة تمنع تداخل المصالح الخاصة وتمنع المسؤولين من التحول إلى أدوات وظيفية لتلميع أنظمة متورطة في تفتيت الأوطان وسفك دماء الأبرياء.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال