تلاحق شركة أليانز الألمانية، إحدى أكبر شركات التأمين في العالم، ستة نشطاء مؤيدين لفلسطين أمام القضاء البريطاني، مطالبةً بتعويضات تقارب 300 ألف جنيه إسترليني، بعد احتجاجات استهدفت مكاتبها في لندن وغيلدفورد خلال عامي 2024 و2025. لكن جوهر القضية لا يتعلق بطلاء أحمر رُشّ داخل مكاتب الشركة، ولا بأضرار مادية تزعم أليانز أنها لحقت بمقارها؛ بل يتعلق بسبب الاحتجاج نفسه: اتهام الشركة بتوفير غطاء تأميني لشركة إلبيت سيستمز، أكبر شركة أسلحة إسرائيلية خاصة، والمورّد الرئيسي للطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية التي يستخدمها جيش الاحتلال في حروبه ضد الفلسطينيين.

بهذا المعنى، لم يكن النشطاء يحتجون ضد شركة تجارية عادية، بل ضد واحدة من حلقات البنية الاقتصادية التي تحمي صناعة السلاح الإسرائيلية وتمنحها القدرة على العمل والاستمرار. فالتأمين ليس خدمة محايدة عندما يُقدَّم لشركة تنتج أدوات القتل والمراقبة والسيطرة لصالح جيش متهم بارتكاب إبادة جماعية في غزة وجرائم ممنهجة في الضفة الغربية. ومن هنا تأتي خطورة القضية: أليانز لا تكتفي بمحاولة غسل يدها من علاقتها السابقة بإلبيت، بل تمضي الآن في ملاحقة من كشفوا هذه العلاقة، عبر دعوى مدنية قد تدمر حياتهم ماليًا قبل حتى أن تُحسم القضايا الجنائية المرفوعة ضدهم.

القرار الأخير الصادر عن محكمة بريطانية سمح لأليانز بالمضي في هذه الدعوى المدنية، رغم أن النشطاء، المعروفين باسم Allianz6، يواجهون بالفعل محاكمات جنائية على خلفية الاحتجاجات نفسها. وبذلك يجد هؤلاء أنفسهم أمام ضغط مزدوج: من جهة، اتهامات جنائية مرتبطة بالفعل الاحتجاجي؛ ومن جهة أخرى، مطالبة مالية ضخمة من شركة متعددة الجنسيات تملك موارد قانونية هائلة، بينما لا يستطيع النشطاء تحمل تكلفة تمثيل قانوني متكامل في الدعوى المدنية.

وبحسب تفاصيل القضية، فقد احتل النشطاء مكاتب أليانز في غيلدفورد ولندن، ورشوا طلاءً أحمر قابلًا للذوبان في الماء، في إشارة رمزية إلى الدم الفلسطيني وإلى ما يرونه تورطًا تجاريًا للشركة في دعم منظومة السلاح الإسرائيلية. وتقول أليانز إن هذه الاحتجاجات تسببت في أضرار تزيد على 79 ألف جنيه إسترليني، لكنها عادت لاحقًا ورفعت مطالبها بإضافة نحو 200 ألف جنيه إسترليني كتعويضات رمزية، بزعم “الضرر بالسمعة والإحراج التجاري” الناتج عن إغلاق كل مكتب لمدة يوم.

هذه الزيادة هي ما دفع النشطاء إلى وصف الدعوى بأنها أشبه بـ“رسوم ترخيص للاحتجاج”، أي محاولة لتحويل ممارسة الاحتجاج السياسي إلى فعل مكلف ماليًا إلى حد الإفلاس. فالشركة لا تطالب فقط بتعويض عن أضرار مادية، بل تضيف مبلغًا ضخمًا باسم السمعة التجارية، وكأن كشف علاقتها بقطاع السلاح الإسرائيلي هو الضرر الحقيقي الذي تريد معاقبة النشطاء عليه. وبذلك تنتقل القضية من نزاع قانوني حول فعل احتجاجي محدود إلى معركة حول الحق في فضح الشركات المتورطة في اقتصاد الحرب.

وكان النشطاء قد طلبوا وقف الدعوى المدنية إلى حين انتهاء القضايا الجنائية، معتبرين أن استمرارها بالتوازي قد يمس حقهم في محاكمة عادلة، خاصة أن القضايا الجنائية مقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 ويناير/كانون الثاني 2028. غير أن قاضي محكمة وسط لندن، آلان جونز، رفض طلب التأجيل، وسمح لأليانز بالمضي قدمًا في الدعوى، ما يعني أن النشطاء سيضطرون إلى الدفاع عن أنفسهم في مسار مدني شديد الكلفة قبل أن تُحسم الاتهامات الجنائية أصلًا.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن الدعاوى المدنية لا تُحسم أمام هيئة محلفين، كما أن معيار الإثبات فيها أقل من القضايا الجنائية، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن استخدام هذا النوع من القضايا للالتفاف على المسار الجنائي، حيث سبق أن حصل نشطاء مؤيدون لفلسطين في بريطانيا على دعم واسع وأحكام براءة في قضايا مشابهة أمام المحلفين. لذلك يرى المدافعون عن النشطاء أن أليانز لا تبحث فقط عن تعويضات، بل عن مسار قضائي أكثر ملاءمة لمعاقبة الاحتجاج وإرهاق النشطاء ماليًا.

إحدى المتهمات، وهي العاملة المجتمعية سيرين جون وود، قالت إن استهداف أليانز لم يكن عشوائيًا، بل جاء بسبب كونها شركة تأمين لشركة إلبيت سيستمز، التي تعد من أبرز أعمدة صناعة السلاح الإسرائيلية. وأوضحت أن أليانز، من خلال ملاحقتها المدنية للنشطاء، تكشف عن مستوى من الحسابات الدقيقة لاستخدام المسارات القانونية في قمع الاحتجاج. فالشركة تدرك، بحسب قولها، أن هناك دعمًا شعبيًا متزايدًا للتحركات المؤيدة لفلسطين، وأن المحلفين سبق أن برأوا نشطاء في قضايا مشابهة، ولذلك تسعى إلى نقل المعركة إلى المحاكم المدنية حيث لا توجد هيئة محلفين، وحيث يصبح العبء المالي نفسه أداة ضغط وعقاب.

أما الكاتبة رينيه إيشل، وهي متهمة أخرى في القضية، فاعتبرت أن دفع أليانز بالنشطاء إلى المحاكم المدنية بينما لا تزال القضايا الجنائية معلقة، يعكس استخدامًا لتكتيكات ترهيبية هدفها إخضاعهم وردع نشطاء آخرين عن كشف تواطؤ الشركات في جرائم الحرب والإبادة التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. هذه الشهادة تكشف شعور النشطاء بأن القضية لم تعد متعلقة بهم وحدهم، بل بمحاولة أوسع لكسر الحركة الاحتجاجية التي تستهدف الشركات المرتبطة بمنظومة الاحتلال العسكرية والاقتصادية.

ما يجعل المشهد أكثر فجاجة هو الفارق الهائل في القوة بين الطرفين. أليانز شركة عالمية أعلنت أرباحًا تشغيلية ضخمة، وتستطيع الاستعانة بفرق قانونية كاملة لملاحقة ستة أفراد، بينما يواجه النشطاء احتمال دفع تعويضات قد تؤخذ من مدخراتهم ورواتبهم المستقبلية، وقد تتركهم في ضائقة مالية تمتد لسنوات طويلة. وبذلك تتحول الدعوى المدنية إلى عقوبة اقتصادية قاسية، حتى قبل صدور أي حكم جنائي نهائي، وإلى رسالة واضحة بأن الشركات العملاقة تستطيع استخدام القانون كأداة لإسكات من يحرجونها سياسيًا وأخلاقيًا.

لكن السؤال الأوسع في هذه القضية لا يتعلق فقط بالنشطاء الستة، بل بدور شركات التأمين والمال في استمرار آلة الحرب الإسرائيلية. فإلبيت سيستمز ليست شركة عادية في سوق تجاري عادي، بل شركة أسلحة إسرائيلية تنتج وتطور أنظمة عسكرية تستخدمها إسرائيل في مراقبة الفلسطينيين، واستهدافهم، وإدارة احتلالها وحروبها. وعندما توفر شركة تأمين عالمية غطاءً لمثل هذه الشركة، فإنها لا تقدم خدمة بيروقراطية محايدة، بل تساهم في توفير البنية التي تسمح لشركة السلاح بالعمل، والتوسع، وإدارة مخاطرها، وحماية نشاطها التجاري.

هذا هو جوهر الاتهام الموجه إلى أليانز: أن التواطؤ مع الإبادة لا يمر فقط عبر الحكومات التي تزود إسرائيل بالسلاح، ولا عبر المصانع التي تنتج الطائرات والذخائر والأنظمة العسكرية، بل أيضًا عبر الشركات التي تؤمّن تلك المصانع وتمنحها القدرة على الاستمرار ككيانات تجارية “طبيعية”. فكل عقد تأمين مع شركة سلاح مرتبطة بجيش الاحتلال هو حلقة في سلسلة أطول من التمويل والحماية والتطبيع التجاري مع الجريمة.

ورغم أن أليانز أنهت، بحسب تقارير منشورة، علاقتها التأمينية مع إلبيت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإن إصرارها على ملاحقة النشطاء يفتح سؤالًا شديد الأهمية: إذا كانت الشركة قد تراجعت عن العلاقة التي فجرت الاحتجاجات، فلماذا تصر الآن على دفع ستة نشطاء إلى مواجهة مالية بهذا الحجم؟ هل تبحث فقط عن التعويض، أم تريد معاقبة حملة نجحت في إحراجها وإجبارها على الابتعاد عن شركة أسلحة إسرائيلية؟ وهل تخشى أن يتحول الضغط الشعبي على شركات التأمين إلى نموذج يُستخدم ضد مؤسسات أخرى مرتبطة بصناعة السلاح الإسرائيلية؟

بهذا المعنى، فإن أليانز لا تبدو في موقع الضحية، بل في موقع الشركة التي تحاول إعادة صياغة القصة لصالحها. فهي تريد أن يتحدث الناس عن طلاء أحمر وأضرار في المكاتب، لا عن علاقتها بشركة أسلحة إسرائيلية. تريد أن يصبح النشطاء هم المشكلة، لا العقود التجارية التي ربطتها بمنظومة عسكرية متهمة بالمشاركة في قتل الفلسطينيين. وتريد أن يظهر الاحتجاج كاعتداء على شركة، لا كفعل سياسي ضد اقتصاد يربح من الحرب والاحتلال.

القضية تكشف أيضًا كيف أصبح القانون في بريطانيا ساحة مركزية لملاحقة التضامن مع فلسطين. فالنشطاء المؤيدون لفلسطين لا يواجهون فقط الحملات الإعلامية والاتهامات السياسية، بل يواجهون الآن دعاوى مدنية ضخمة قد تفلسهم وتردع غيرهم. وهذا النوع من الملاحقة لا يحتاج إلى أحكام بالسجن كي يحقق أثره؛ يكفي أن يعرف النشطاء أن احتجاجًا داخل مكتب شركة قد يفتح عليهم مطالبة مالية بمئات الآلاف من الجنيهات حتى يتحول الخوف نفسه إلى وسيلة رقابة.

ومع ذلك، فإن هذه المحاولات قد تأتي بنتيجة عكسية، لأنها تسلط ضوءًا أكبر على السؤال الذي حاولت أليانز تجنبه: لماذا كانت شركة تأمين عالمية توفر غطاءً لشركة سلاح إسرائيلية أصلًا؟ ولماذا تحتاج شركات مثل إلبيت إلى شبكة من المؤسسات الغربية التي تمنحها التأمين، والخدمات، والعقود، والشرعية التجارية؟ وكيف يمكن للشركات الكبرى أن تتحدث عن المسؤولية الاجتماعية والحوكمة والأخلاق بينما تربط مصالحها بشركات تشكل جزءًا من آلة الاحتلال؟

إن ما يحدث اليوم مع “Allianz6” ليس قضية هامشية تخص مجموعة صغيرة من النشطاء، بل اختبار أوسع لمكانة الاحتجاج السياسي في مواجهة الشركات المتورطة في جرائم الاحتلال. فإذا استطاعت أليانز أن تحول احتجاجًا ضد علاقتها بإلبيت إلى حكم مالي مدمر، فإن الرسالة ستصل إلى كل ناشط وكل حملة وكل مجموعة تضغط على الشركات لقطع علاقاتها بإسرائيل: كشف التواطؤ قد يكلفكم حياتكم المالية. وهذه، بحد ذاتها، محاولة لإعادة بناء جدار الخوف حول الشركات التي تريد الاستفادة من الاحتلال دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا أو أخلاقيًا.

لكن الحقيقة التي لا تستطيع الدعاوى المدنية محوها أن الدفاع عن الشعب الفلسطيني ليس “ضررًا بالسمعة”، وأن الاحتجاج على الشركات المتورطة في اقتصاد الإبادة ليس جريمة أخلاقية، بل موقف ضد منظومة عالمية تجعل القتل قابلًا للتأمين والاستثمار والحماية القانونية. أليانز قد تنجح في جرّ النشطاء إلى المحاكم، لكنها لن تستطيع إخفاء السؤال الأصلي: ما الذي كانت تفعله شركة تأمين عالمية إلى جانب شركة أسلحة إسرائيلية في زمن تُقتل فيه العائلات الفلسطينية تحت القصف، وتُحوّل فيه التكنولوجيا العسكرية إلى أداة لإبادة شعب ومحاصرته؟

إلى من يهمه الأمر: القضية ليست طلاءً أحمر على زجاج أليانز، بل دم فلسطيني على منظومة كاملة من الشركات والممولين والمؤمّنين والحكومات التي جعلت آلة الحرب الإسرائيلية قادرة على الاستمرار. وإذا كانت أليانز ترى أن الاحتجاج أضر بسمعتها، فإن الضرر الحقيقي لم يصنعه النشطاء، بل صنعته علاقتها بشركة أسلحة إسرائيلية، ثم إصرارها على ملاحقة من حاولوا كشف هذه العلاقة ووقفها. وفي زمن الإبادة، لا تستطيع الشركات الكبرى أن تختبئ خلف العقود والبنود القانونية؛ فكل من يحمي آلة القتل، أو يؤمّنها، أو يربح من استمرارها، يتحمل نصيبه من المسؤولية.