fbpx
Loading

شروط إمكان الانقلاب في تونس

بواسطة: | 2019-10-31T20:20:54+02:00 الخميس - 31 أكتوبر 2019 - 8:20 م|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

بالأمس القريب سرَت في تونس أخبار متتابعة عن إقالات عديدة في مراكز سيادية حساسة، وتتابعت الأخبار بشكل يشير إلى أن خَطبا ما كان بصدد الحدوث في مهد الربيع العربي. لا ينطلق هذا الإقرار من إمكانية الانقلاب الواردة هناك، مهما اختلفت أساليب تنفيذها وإجرائها بحكم عدم استتباب الأمن بشكل كلي، وعدم تمكّن المحور الثوري من مقاليد السلطة، إذ لا تزال الدولة العميقة تسيطر على مفاصل هامة من البناء السياسي والاقتصادي والإعلامي الثقافي بشكل عام.

 

بناء على ما تقدم، وتأسيسا على ما انتهت إليه النماذج الثورية العربية الأخرى، يكون من غير المنطقي إقصاء فرضية الانقلاب مهما كانت طبيعة تنفيذها، والأدوات المجنّدة لإنجازها وتوقيتها. بل إن الحذر يفرض توقع سيناريو الانقلاب في أكثر من صورة واحتمال، مهما كانت المؤشرات على غيابه قائمة، ومهما أفاض بعضهم في الإقرار بنهاية المؤامرة على التجربة التونسية.

 

المشهد التونسي

للتو، تسلّم الرئيس الجديد مقاليد الحكم، وهو الآن بصدد تكوين فريقه الرئاسي الذي وصلت بعض التسريبات منه إلى الإعلام، بما يعني أنه لم يباشر بعد مهام التنفيذ الفعلية الخاصة به كرئيس للجمهورية. من ناحية ثانية، نجح الرجل في الحصول على إجماع منقطع النظير في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو ما يمنحه قاعدة شعبية صلبة لا يمكن التهاون بها أو المزايدة عليها. أما العامل الثالث المهم فيتمثّل في سقف الوعود التي قطعها الرئيس على نفسه وأمام ناخبيه، وهو سقف مرتفع يزيد في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، خاصة أنه لا يشك اثنان في صدقه وحسن نواياه.

 

لن يكون حسن النوايا كافيا، ولن تكون الوعود الانتخابية كافية أيضا؛ لأن منطق الفعل السياسي هو غير المنطق الحملات الانتخابية والسلوكات الفردية. هذا الإقرار يدعمه التجاذب الكبير الذي تعرفه عملية تشكيل الحكومة بين أطراف سياسية تتنازع مواقعها في المشهد القادم بعد التراجع الكبير الذي عرفته أحزاب الدولة العميقة، ممثلة في حزب “نداء تونس” وحزب “تحيا تونس” خاصة.

 

تأسيسا على ما سبق لن تكون السنوات الخمس القادمة مرحلة سهلة في عمر المسار الانتقالي، رغم ما قد يتوفر لها من الزخم الشعبي الذي تجلى في حملات النظافة، وهي تؤشر على ارتفاع منسوب الوعي وانخراط الشعب في المسار الانتقالي بشكل فاعل ومباشر. أما اجتماعيا، فإن سقف الانتظار يظل مرتفعا بعد السنوات العجاف التي مرّت بها تونس، والتي ساهمت الأطراف النقابية في تغذيتها وإطالة أمدها.

 

تونس في مجال الثورات

لا يمكن تحليليا فصل تونس عن مجال الثورات العربية وعن تجربة الربيع، حتى وإن أمكن ذلك سياقيا أو جغرافيا، وهو ما يطرح إشكالية فصل المشتَرك عربيا عن المختَلف تونسيا لفهم طبيعة التهديدات القائمة على المسار الانتقالي. يمكن القول اليوم إنّ فعل التأثيرات الاقليمية لم ينحسر كليا؛ لأن القوى العربية الداعمة للانقلابات، وخاصة دولة الإمارات، لا تزال تدعم قوى الثورة المضادة ماديا وإعلاميا بشكل خاص، وهو ما يُبقي التهديد قائما في تونس.

 

تستفيد قوى كثيرة من انقلاب موازين القوى، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، بسبب تقاطع المصالح وسعي كثيرين إلى منع نجاح الثورة التونسية لما تمثله من تهديد جدي للنظام الرسمي العربي بشكل عام. لكن انفلات الوضع في مجالات عربية أخرى أزاح تونس من قائمة الأولويات، بعد ما حدث في اليمن وسوريا والعراق ومصر والجزائر وليبيا والسودان.

 

هذا الوضع الجديد منح التونسيين متسعا من الزمن كان كافيا لاستعادة الحركة الثورية، بعد انتخاب رئيس الجمهورية وفشل كل المحاولات الانقلابية التي كانت تستهدف المشهد الانتقالي. لم تكن إضرابات اتحاد الشغل والاغتيالات السياسية واعتصام باردو أو غيرها من المطبات كافية لقلب المشهد محليا، وهو ما جعل من المسألة التونسية مسألة داخلية أساسا. هذا يعني أنه رغم أهمية الفواعل الخارجية في إرباك المشهد التونسي عبر مراكز القوى التي تعمل لصالحها بالوكالة، إلا أن المشهد نجح في الإفلات من سطوة الفاعل الخارجي.

 

أدوات الفوضى الجديدة

لما صار المشهد محليا بامتياز، كان لزاما على الفاعلين الجدد منع كل إمكانات العودة إلى المربّع السابق، واستباق تفعيل أي شرط من شروط إمكان الانقلاب على الانتخابات. يجد هذا الكلام أسسه أولا في حجم الإقالات وسرعتها، إذ تمت إقالة عناصر أساسية في الدولة العميقة، مثل وزير الدفاع ووزير الخارجية والناطق باسم الحكومة، وأحد كبار تجار السلاح، إلى جانب واحد من كبار الإعلاميين.

 

تمت هذه العملية في ساعات قليلة وبشكل فاجأ الجميع بما فيهم المعنيون بالإقالات أنفسهم، وهو ما يُرجح القول بأن خُطة ما أجهضت أو تم استباق تنفيذها، خاصة إذا تذكرنا تهديدات وزير الدفاع نفسه، وهو الذي أقرّ بأنه كان سيرسل دبابات لمحاصرة مجلس نواب الشعب.

 

رغم أهمية هاته الحركة الاستباقية ورغم رمزيتها الكبيرة بالنسبة للشعب التونسي، إلا أنها لا تعطّل بقية الأدوات الانقلابية التي تبقى قائمة الفعل والقدرة على الفعل. فالإعلام لا يزال في جزء كبير منه في يد الدولة العميقة، وكذا أغلب المرافق الحيوية للدولة وللمجتمع، وخاصة منها النقابات العمالية التي تهدد السلم الاجتماعي وتضرب عصب الحياة الاقتصادية.

يبقى توظيف خزان التنافر الأيديولوجي بين مكونات الطبقة السياسية ومختلف الأحزاب مرجعا أساسيا، ورهانا رابحا لما تبقى من أذرع الدولة العميقة. إن فشل النخب السياسية التونسية في تكوين الحكومة وفي إرساء أسس صلبة للانتقال الديمقراطي؛ سيكون بمثابة فاعل انقلابي غير مباشر على المكتسبات الثورية، بما فيها الانتخابات الأخيرة نفسها.

إن شروط إمكان الفعل الانقلابي لا تزال قائمة، لكنها تستقى فاعليتها وقدرتها على تحقيق النجاعة المأمولة هذه المرة من عجز الفاعلين المحليين عن تحصين الجبهة الداخلية. لن يتم عزل الاحتمالات الانقلابية إلا من خلال إقرار عُلوية القانون في محاربة الفساد والتهرب الضريبي وإعادة الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل الشبكات التي تسببت في نزيف الدولة الاقتصادي والاجتماعي.

لتحقيق هذا الفعل الذي انخرط فيه الجمهور العريض عبر حملات النظافة والفعل الانتخابي السلمي، تجد النخب السياسية التونسية نفسها أمام مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة والثورة، من أجل إنجاز ما يقطع بشكل نهائي مع كل احتمال انقلابي ممكن. دون ذلك تبقى كل احتمالات الانقلاب أو الانتكاس قائمة، مهما حاول كثيرون التقليل من أهميتها.


اترك تعليق