في ممارسة تكشف السقوط الأخلاقي المدوي للشعارات الغربية وتبرهن على ازدواجية المعايير الممنهجة في القارة الأوروبية، يواجه اللاجئون الفلسطينيون في ألمانيا حملة قمعية بوليسية شرسة تشمل المراقبة الدائمة، وسحب الإقامات، والتهديد بالترحيل؛ وعقابا لهم على ممارسة حقهم في التعبير ونصرة القضية الفلسطينية؛ وتأتي هذه الإجراءات التعسفية لتعكس حجم الانحياز الأعمى والكامل للحكومة الألمانية إلى جانب الاحتلال الصهيوني، حيث تسخر برلين أجهزتها الأمنية وقوانين الهجرة لتكميم الأفواه وملاحقة الناشطين، متغافلة عن مبادئ حقوق الإنسان التي طالما تباكت عليها.

وسام لانعدام الجنسية والملاحقة بلا مخالفة جنائية

ووثقت شهادات حية، نشرتها وسائل الإعلام، حجم الإرهاب النفسي والقانوني الذي يعيشه المهجرون؛ حيث يقول محمد -وهو شاب فلسطيني سوري من مواليد مخيم اليرموك درس علم الاجتماع وانخرط في العمل المدني بألمانيا- إن حياته تحولت إلى كابوس؛ فالأجهزة الأمنية في مدينة “أوزنابروك” أقدمت على سحب إقامته دون ارتكابه أي مخالفة جنائية، فقط بسبب نشاطه الطلابي السلمي؛ وأشار محمد بحرقة إلى أن السلطات تضع على وثائق الفلسطينيين المؤقتة ثلاثة أحرف “XXX” كرمز لانعدام الجنسية، مضيفاً: “نحن مهجرون من فلسطين ثم من سوريا، وحتى هنا لا يتم الاعتراف بنا، وكأننا ملاحقون بلا وطن في ديمقراطية تدعي حماية الحريات”.

أما صلاح، المهندس الفلسطيني المقيم في ذات المدينة، والذي وصل ألمانيا قاصراً وبنى حياته المهنية بعد حرمانه من حق لمّ شمل عائلته المنكوبة، فيؤكد أن التضييق الأمني والملاحقة بلغا ذروتهما؛ حيث بات أي هتاف أو كلمة في المسيرات السلمية كفيلين باستدعائه والتحقيق معه، معقباً بالقول: “أشعر أنني مراقب بشكل دائم فقط بسبب موقفي السياسي ودفاعي عن فلسطين”؛ مما يعيد إلى الأذهان أساليب الأنظمة الشمولية التي تدعي برلين محاربتها.

صدمة الترحيل إلى المجهول وحصار الأسر الناشئة

وفي مدينة “لايبزيغ”، بلغت السادية الألمانية مداها مع الشاب مجد، المقيم في البلاد منذ 10 سنوات؛ إذ تلقى خطاباً رسمياً مفاجئاً يبلغه بسحب إقامته ومطالبته بمغادرة الأراضي الألمانية فوراً، بذريعة أنه خاضع للمراقبة اللصيقة بسبب مناصرته لقطاع غزة؛ ويعيش مجد اليوم مع زوجته وطفله الرضيع (9 أشهر) في حالة من الرعب وعدم اليقين، متسائلاً بمرارة: “أنا بلا جنسية، ولا أعرف حتى إلى أين يمكن ترحيلي بعد تدمير مخيمنا في سوريا، هل يعاقب الإنسان بالتشرد مجدداً لمجرد رفضه إبادة أهله؟”.

إن هذه الإجراءات العقابية الاستثنائية التي لا تستند إلى أي مسوغ جنائي، تكشف الوجه الحقيقي للنظام الحاكم في ألمانيا، الذي بات يرى في الأعلام الفلسطينية والكوفية التراثية خطراً أمنياً، في حين يشرع أبوابه ومنابره لدعم الجرائم الصهيونية؛ ويؤكد مراقبون أن تحول الموقف الألماني إلى أداة وظيفية لقمع فلسطينيي الشتات وحرمانهم من حقوق الإقامة بذريعة “معاداة السامية” الفضفاضة، يمثل تواطؤاً مباشراً لتكميم المجتمع المدني الأوروبي وحماية الاحتلال من الفضيحة الأخلاقية، مضحياً بإرث طويل من الحريات الأكاديمية والسياسية على مذبح التبعية لصهيونية تل أبيب.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال