تغيير حجم الخط ع ع ع

 

هل سيفرض قيس سعيد نظاما استبداديًا جديدًا في تونس، يعيد البلاد عشر سنوات إلى الوراء، أي ما قبل ثورة الياسمين، التي مثلت الشرارة، بالنسبة لثورات الربيع العربي، وأدت لتنحي الرئيس زين العابدين بن علي وهروبه؟ 

وبحسب صحيفة “لاكروا” الفرنسية، أعربت حوالي عشرين منظمة غير حكومية في رسالة موجهة إلى رئيس تونس قيس سعيد في 28 أغسطس/ آب الماضي، عن انزعاجها من إغلاق الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد، فضلاً عن موجات الاعتقالات والإقامة الجبرية والمنع من السفر التي شهدتها البلاد على مدار شهر.

وأصدر سعيد في 24 أغسطس/ آب، أمرًا رئاسيًا بتمديد تعليق أعمال البرلمان لأجل غير مسمى، مع الإبقاء على رفع الحصانة عن كل أعضائه، وهي القرارات التي اتخذها في 25 يوليو/ تموز الماضي، وأدت إلى سيطرته على السلطة بشكل كامل.

ومنذ هذا التاريخ بادر الرئيس التونسي بتغيير العديد من أعضاء الحكومة، وكان من الواضح خلال استقباله المسؤولين وكبار الزوار الأجانب أنه هو من يمسك بمقاليد الأمور وليس مساعدوه. 

كما أصبحت تسجيلات الفيديو لخطابات الرئيس ومداخلاته على منصات التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للأخبار اليومية في البلاد.

وأكدت الصحيفة أنه قبل أي شيء لم تعد الجمعيات النقابية التونسية تحجب مخاوفها، بعد أكثر من شهر من فرض قانون الطوارئ وتركيز السلطات في يد الرئيس قيس سعيد.

وأشارت إلى أن اثنتين وعشرين منظمة غير حكومية كتبت إلى قيس سعيد في هذه الرسالة “التدابير الاستثنائية حتى متى وماذا كانت النتيجة؟”

واستنكرت هذه المنظمات “حملات الاعتقال وحظر السفر والإقامة الجبرية” التي طالت عشرات الأشخاص والبرلمانيين ورجال الأعمال والقضاة وغيرهم. الذين يخشون عودة تونس إلى تصدر الاستبداد بالعالم العربي.

 

مداهمة أمنية

ونوهت بأن كرمز على الانجراف الاستبدادي في البلاد، تعرضت الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد (Inlucc) التي تم إنشاؤها في أعقاب الثورة عام 2011 لـ “مداهمة أمنية” من قبل وزارة الداخلية، وفقًا للمنظمات غير الحكومية. 

تم وضع المحامي والرئيس السابق للنقابة شوقي الطبيب، الرئيس السابق لهذه المؤسسة، قيد الإقامة الجبرية، وأُقيل أمينه العام بمرسوم جمهوري في 20 أغسطس/ آب، وأغلقت الهيئة وجُمد أرشيفها.

ويحذر المحامي وحيد الفرشيشي، دكتور في القانون في جامعة قرطاج ومؤسس الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية، وأحد الموقعين على الرسالة، من أنه “تم تقديم 244000 ملف للإقرار بالممتلكات الشخصية، بالإضافة إلى 43000 طلب من قبل المبلغين عن المخالفات بالإضافة إلى 800 طلب حماية، هذه المحفوظات بالغة الحساسية، هي في أيدي وزارة الداخلية”.

وأكد أنه “تم إنشاء الهيئة على وجه التحديد للإفلات من وزارة الداخلية الفاسدة بشكل خاص، والرئيس، الذي جعل مكافحة الفساد غايته، يعتمد على هذه الوزارة نفسها”.

 

حظر السفر التعسفي 

وتقول الصحيفة إن هناك إشارات أخرى على عودة تونس إلى الاستبداد، وهي الأدوار الجديدة الموكلة للجيش، لكنها دائماً مهمشة بعناية من السلطة منذ استقلال البلاد، وهكذا حوكم المدنيون أمام محاكم عسكرية.

من جهتها، نددت منظمة العفو الدولية، في 26 أغسطس / آب، بأكثر من 50 حالة حظر سفر “تعسفي” و “غير قانوني” ضد أشخاص لا يخضعون لتحقيق قضائي. 

وتشير منظمة العفو إلى أن عدد الحالات “ربما يكون أعلى من ذلك بكثير”، لأن الناس يكتشفون أنهم ممنوعون عندما يمرون عبر الجمارك في المطار، حيث يتم إبلاغهم شفهيا بقرار وزارة الداخلية “بدون إذن قضائي، أو أمر كتابي، أو حتى سبب أو فترة الحظر”.

 

تشتت المجتمع المدني 

كما أعربت ست منظمات غير حكومية أخرى، ذات ثقل تاريخي كبير في المجتمع التونسي، مثل رابطة حقوق الإنسان أو جمعية النساء الديمقراطيات، عن قلقها أيضًا إزاء الانتهاكات المصاحبة لإجراءات الطوارئ.

فالمجتمع المدني الديناميكي ظهر في البداية بشكل مشتت في مواجهة انقلاب الرئيس قيس سعيد، إذ رأى البعض أنه مخرج من الشلل السياسي، لمحاربة الفساد وعدم المساواة، وإطلاق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة منذ عشر سنوات.

وبعد نحو شهر، وفي مواجهة صمت الرئيس الذي لم يقم بعد بتعيين حكومة أو إعطاء برنامج وخارطة طريق للخروج من نظام الطوارئ، تميل المواقف إلى التقارب.

ويتساءل وحيد الفرشيشي “هل هناك مثال واحد لدولة أعادت فيها الإجراءات غير الديمقراطية الديمقراطية؟”.

من جهتها تؤكد المنظمات غير الحكومية الموقعة على الرسالة أنه “حان الوقت لتشكيل جبهة موحدة”، لأن استمرار فرض حالة الحصار هذه لا “يعرض العملية الديمقراطية للخطر فحسب، بل يزيد من تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي والسياسي للبلاد”.

ومن جهته اتهم الرئيس التونسي قبل أيام أشخاصًا لم يسمهم بالتآمر لضرب مؤسسة رئاسة الجمهورية، وذلك خلال لقائه عميد هيئة المحامين والكاتب العام لرابطة حقوق الإنسان ونائب رئيس الرابطة في قصر قرطاج.

وقال الرئيس التونسي في اللقاء المصور الذي نشرته الرئاسة على حسابها بموقع “فيس بوك”” إن هناك أشخاصًا يدبرون وآخرون ينفذون ما تم الاتفاق عليه لضرب مؤسسة الرئاسة”.

 

https://www.la-croix.com/Monde/En-Tunisie-signes-dun-retour-lautoritarisme-2021-08-30-1201172924