تلقى قطاع الاستثمار والمال في مصر صفعة دولية مدوية وعنيفة، بعد أن كشفت مؤسسة “إس آند بي داو جونز” للمؤشرات العالمية (S&P Dow Jones Indices) أنها تجري حالياً دراسة رسمية لإعادة تصنيف البورصة المصرية وخفض رتبتها من فئة “الأسواق الناشئة” (Emerging Markets) لتُهبط بها إلى مصاف “الأسواق الحدودية أو المبتدئة” (Frontier Markets).
هذا القرار، الذي نزل كالصاعقة على مجتمع الأعمال، يأتي بمثابة إعلان دولي صريح عن فشل السياسات المالية والنقدية للنظام الحاكم، ويُعرّي بوضوح حجم التدمير الممنهج والتجريف البنيوي الذي تعرض له الاقتصاد المصري طوال عهد عبد الفتاح السيسي؛ حيث تسببت سياسات الاقتراض العشوائي، وتغليب نفوذ المؤسسات السيادية على القطاع الخاص، وتخبط سعر الصرف، في طرد رؤوس الأموال الأجنبية وتحويل البيئة الاستثمارية لأحد أعرق أسواق المنطقة إلى بيئة طاردة وعالية المخاطر.
وتكمن خطورة هذا المقترح في كونه صادراً عن واحدة من أكبر الجهات العالمية لإدارة المؤشرات، والتي يعتمد عليها كبار مديري صناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الدولية لتحديد وجهة تدفقاتهم النقدية. ويعني خفض تصنيف البورصة المصرية عملياً حرمانها التام من جذب استثمارات المحافظ الأجنبية الكبرى التي تلتزم قانوناً بالاستثمار في الأسواق الناشئة والعليا فقط، مما يهدد بتعميق عزلة مصر المالية واختناق سوقها الرأسمالي، في وقت تئن فيه البلاد تحت وطأة أزمة ديون خانقة وشح تاريخي في الموارد النقدية المستدامة.
سراب الإصلاحات الشكلية وسقوطها أمام واقع الاختناق الهيكلي
تسببت خطوة “إس آند بي داو جونز” في صدمة بالغة الأثر لخبراء سوق المال، كونها جاءت متزامنة مع حزمة من التعديلات التقنية والإجراءات التجميلية التي تبنتها إدارة البورصة على مدار السنوات الماضية -مثل إطلاق سوق المشتقات المالية، وتفعيل سوق السندات للأفراد، وتسجيل المؤشرات مستويات قياسية نتيجة التضخم الجامح وانخفاض قيمة الجنيه. وأوضحت المؤسسة العالمية في بيانها أن مصر شهدت بالفعل بعض التطورات التكتيكية مثل تراجع طفيف في حالات التأخير في إعادة تحويل أرباح المستثمرين الأجانب للخارج، وإلغاء بعض القيود الاحترازية المفروضة منذ مايو 2023.
غير أن هذه المساحيق التجميلية سقطت سريعاً أمام التحديات الهيكلية القاتلة التي خلفها نمط الإدارة العسكري للاقتصاد؛ حيث أكدت المؤسسة استمرار وجود صعوبات بالغة تعوق وصول المستثمرين الدوليين لشراء الأسهم والتحرك بحرية داخل السوق، فضلاً عن تذبذب الأداء الاقتصادي العام وعدم اتساقه مع معايير الاستقرار المالي الأساسية للأسواق الناشئة. ويرى محللون أن السيطرة الاحتكارية على مفاصل الإنتاج والموارد، وتجفيف السيولة من القطاع المصرفي لصالح مشروعات البنية التحتية والمدن الخرسانية غير المنتجة، نسفت الثقة الدولية في كفاءة السوق ونزاهته التنظيمية.
الارتداد إلى الأسواق المبتدئة وكلفة المخاطر العالية
وفقاً للمعطيات الرقمية المرافقة للمقترح، يبلغ الوزن النسبي الحالي للبورصة المصرية على مؤشر الأسواق الناشئة لدى “إس آند بي داو جونز” نحو 0.12%، وفي حال تمرير قرار الخفض، سيرتفع وزنها الافتراضي على مؤشر الأسواق المبتدئة والحدودية إلى 3.43%. ورغم أن هذا الارتفاع اللفظي في النسبة قد يبدو إيجابياً للوهلة الأولى، إلا أنه يحمل في طياته كارثة حقيقية؛ فالكتلة النقدية الإجمالية الموجهة للأسواق المبتدئة عالمياً تعد ضئيلة ومحدودة للغاية مقارنة بتريليونات الدولارات التي تتدفق في شرايين الأسواق الناشئة.
علاوة على ذلك، فإن تصنيف السوق كوحدة “مبتدئة” يضعها تلقائياً في خانة الأسواق عالية المخاطر وضعيفة السيولة، مما يدفع المستثمرين الجادين للنفور منها والبحث عن بدائل أكثر استقراراً وانفتاحاً. وفي أول رد فعل ميداني، حاولت البورصة المصرية تجاهل وطأة القرار الصادم عبر تحركات مضاربية محلية رفعت المؤشر الرئيسي “إي جي إكس 30” بنسبة 0.29% ليصل إلى مستوى 53007 نقطة، وهو صعود وهمي مدفوع برغبة المستثمرين المحليين في التحوط من تآكل قيمة العملة الوطنية وليس ناتجاً عن تدفقات رأسمالية حقيقية.
خارطة الطريق للاستبعاد ومستقبل معتم لعقود قادمة
حددت المؤسسة الدولية موعداً أقصاه 17 يوليو 2026 لاستقبال آراء وملاحظات كبار المستثمرين والمؤسسات الدولية حول هذا المقترح الكارثي، وفي حال الاستقرار على تطبيقه بناءً على التغذية الراجعة من السوق، فإن المؤسسة تقترح تنفيذ عملية إعادة التصنيف رسمياً تزامناً مع المراجعة السنوية وإعادة هيكلة المؤشرات في سبتمبر 2027. هذا الإطار الزمني الممتد يمنح الصناديق الدولية فرصة لتسييل أصولها تدريجياً والهروب مما تبقى من الأسهم القيادية المصرية.
وتُقسم أسواق الأسهم العالمية عادة إلى ثلاث فئات رئيسية وفقاً لمعايير صارمة تشمل حجم السوق، ومعدلات السيولة، وحرية حركة رؤوس الأموال الأجنبية، وكفاءة البيئة التشريعية؛ وتبدأ بالأسواق المتقدمة التي تضم الاقتصادات الناضجة، تليها الأسواق الناشئة التي تتمتع بنمو واعد، وصولاً إلى القاع حيث الأسواق المبتدئة والحدودية الأقل تطوراً وانفتاحاً.
وفي المحصلة، فإن تراجع مصر نحو قاع التصنيفات الدولية يمثل شهادة وفاة رسمية لوعود “الجمهورية الجديدة” والرخاء الاقتصادي؛ إن تدمير النسيج الإنتاجي للبلاد، وإغراقها في مستنقع ديون تريليونية تتجاوز عوائدها السيادية، وإفساح المجال للشركات التابعة للمؤسسة العسكرية لسحق المنافسة العادلة، قد قاد في النهاية إلى طرد مصر من خريطة الاستثمار العالمي الحقيقي؛ ليتحول الاقتصاد المصري تحت إدارة السيسي من سوق واعد ومحوري في الشرق الأوسط إلى مجرد سوق هامشي ومبتدئ تصنفه الدوائر المالية كبؤرة للمخاطر والأزمات المستعصية.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين