في خطوة لافتة تكشف عن تبدّل في حسابات بلغراد الجيوسياسية، أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش وقف بيع الذخيرة إلى إسرائيل، وسط التصعيد العسكري المتواصل بين تل أبيب وطهران، الذي تخللته هجمات إسرائيلية على منشآت نووية إيرانية وردود انتقامية من طهران، في وقت انضمت فيه الولايات المتحدة إلى المواجهة بشكل مباشر.

هذه الخطوة تعكس إحساسًا متزايدًا لدى بلغراد بأن العالم ينزلق إلى هاوية فوضى لا ضوابط لها، فيما تنأى صربيا بنفسها عن محاور الصراع، في ظل رياح حرب إقليمية قد تتحول إلى نار كونية.

من التعاون إلى التراجع: بلغراد تقطع الإمداد العسكري لتل أبيب

تصريحات فوتشيتش، التي جاءت عقب اجتماع مع هيئة الأركان الصربية في بلغراد، مثّلت اعترافًا صريحًا بأن بلاده كانت تبيع الذخيرة لإسرائيل، لا سيما بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي شنتها حركة حماس، والتي ردت عليها إسرائيل بعدوان واسع النطاق على قطاع غزة. ورغم الانتقادات الحقوقية الواسعة، واصلت بلغراد آنذاك التعاون العسكري مع تل أبيب، معتبرة ذلك جزءًا من التزاماتها التجارية.

لكن المشهد تغيّر تمامًا مع اتساع رقعة الصراع الإسرائيلي الإيراني، وتحوّله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو ما دفع صربيا، على ما يبدو، إلى إعادة تقييم موقفها. حيث أكد فوتشيتش أن بلاده تعتبر إسرائيل وإيران دولتين صديقتين، وهو تصريح يحمل أكثر من مجرد دبلوماسية لفظية، إذ يعكس نية بلغراد الخروج من مربع الاصطفاف السياسي الذي لطالما تورطت فيه نتيجة تحالفات ظرفية.

ومع هذا الإعلان، تكون صربيا قد بعثت برسالة واضحة إلى الغرب مفادها أنها لن تكون طرفًا في الصراعات العسكرية المفتوحة، ولن تُستخدم أرضها أو صناعاتها في تغذية نزاعات تتجاوز حدود القانون الدولي، وهي خطوة منسجمة مع مواقف سابقة حاولت فيها بلغراد التزام الحياد في أزمات إقليمية، مثل الأزمة الأوكرانية والحرب في ناغورني قره باغ.

دروس من الماضي وتحذيرات للمستقبل: صربيا ترفض “الجنون الدولي”

في تصريح يحمل نبرة استياء وتوجّس من النظام الدولي الحالي، قال الرئيس الصربي إن “العالم يتجه نحو الفوضى الكاملة”، مشيرًا إلى أن الجميع “يتصرف وكأنه يملك الحق في مهاجمة الجميع”، محذرًا من أن “الجنون انتشر في العالم، ولم يعد هناك من يمكن الوثوق به”. وأكد فوتشيتش أن الضربات الأميركية على إيران تمثل خرقًا سافرًا للقانون الدولي، مضيفًا: “لم يعد هناك لا عدالة ولا قواعد… كيف يمكن للغرب أن يُلقي دروسًا في سيادة الدول؟”.

هذا التصريح لا يعبّر فقط عن إحباط بلغراد، بل عن تحوّل عميق في المزاج السياسي في عواصم كانت في يوم ما تتطلع إلى نيل عضوية الاتحاد الأوروبي بأي ثمن. اليوم، تقف صربيا أمام مفترق طرق، تحاول فيه الموازنة بين تحالفاتها مع روسيا والصين من جهة، ورغبتها في المحافظة على علاقات طبيعية مع الغرب من جهة أخرى، لكن دون أن تُستخدم كأداة في صراعات الغير.

وفي هذا السياق، يبدو أن صربيا تدرك أن إمداد الاحتلال الإسرائيلي بالسلاح في هذا التوقيت يعني الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ، خصوصًا مع تصاعد الإدانات العالمية لإسرائيل عقب جرائمها في غزة، وتورطها في استهداف علماء ومنشآت إيرانية.

الاحتلال المنبوذ: إسرائيل في عزلة متزايدة

خطوة صربيا تأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل موجة غير مسبوقة من العزلة الدبلوماسية، ليس فقط في أوساط الدول الإسلامية والعربية، بل حتى داخل أوروبا. فبعد دعوات متزايدة لوقف تصدير الأسلحة إلى تل أبيب من دول مثل إسبانيا وإيرلندا وبلجيكا، جاء الموقف الصربي ليضيف إلى عزلة إسرائيل صفعة جديدة من دولة كانت حتى وقت قريب شريكًا دفاعيًا هامًا.

وكانت صحيفة “هآرتس” قد كشفت في سبتمبر/أيلول 2024 عن دور صربيا كمصدر رئيسي للذخيرة الإسرائيلية أثناء عدوانها على غزة، مما أثار انتقادات منظمات حقوقية دولية، اتهمت بلغراد بتغذية آلة الحرب ضد المدنيين. ويبدو أن تلك الضغوط، بالإضافة إلى الانخراط الإسرائيلي في مواجهة مفتوحة مع إيران وبدعم أميركي مباشر، دفع صربيا إلى إيقاف دعمها العسكري.

وفي حين تدّعي إسرائيل أنها تدافع عن نفسها، إلا أن تصاعد الهجمات الاستباقية –خصوصًا تلك التي تستهدف العلماء والمرافق النووية الإيرانية– حوّلها إلى كيان مارق في نظر العديد من الدول، مما يعزز وصفها بالاحتلال المنبوذ.

ختام: موقف صربي متزن في عالم متشظٍّ

بوقفها تصدير الذخيرة إلى إسرائيل، تكون صربيا قد بعثت بإشارة دبلوماسية ذكية: فهي لا تقف مع إيران ضد إسرائيل، ولا العكس، لكنها ترفض أن تكون أداة في حرب إقليمية متصاعدة، تهدد بتقويض النظام الدولي الهش أصلًا.

الموقف الصربي يذكر العالم بأن هناك من لا يزال يرى في القانون الدولي مرجعية، وفي التوازن بين العلاقات ركيزة للاستقرار، لا بوابة للتربح من دماء الآخرين. في زمنٍ تكاد فيه الصراعات تُختزل في لغة الصواريخ والتحالفات المصلحية، يظهر موقف بلغراد كصرخة عقلانية في وجه الجنون المستشري.

ربما لا تملك صربيا وزنًا حاسمًا في ميزان القوى الدولي، لكنها أثبتت أن الحياد المبدئي، حين يترافق مع الجرأة الأخلاقية، يمكن أن يكون له صدى يتجاوز حجمه الجغرافي.

اقرأ أيضًا : مجلس الأمن يشتعل بعد الضربات الأميركية لإيران: بين تحذيرات الحرب ومطالب الهدنة