تغيير حجم الخط ع ع ع

لم يعد خافيا على متابع للشأن السياسي الأفريقي انحياز الإمارات بشكل لافت إلى إثيوبيا في ملف سد النهضة وهو ما يمثل طعنة غدر من الإمارات في ظهر مصر التي اكتشفت بجلاء هذا الانحياز الإماراتي بعد غياب أي موقف إماراتي داعم لمصر في نزاعها مع إثيوبيا بشأن السد فيما يبدو واضحا حرص أبوظبي على مصالحها مع أديس أبابا التي تتعلق بملف الموانئ الأفريقية.

ورغم أن السيسي قد وقع لأثيوبيا على بياض لإنجاز السد، فيما عرف بإعلان المبادئ في الخرطوم في مارس 2015، والذي كان من المفترض أن يمثل انطلاقة لتفاهم ثلاثي بشأن السد العملاق الذي تكلف نحو 5 مليارات دولار، لكن أديس أبابا باتت تتصرف اليوم بالقضية من منطلق أنها تمتلك مياه نهر النيل وتشارك في جولات ماراثونية من المفاوضات دون أن تلزم نفسها بأي اتفاق.

التلاعب الأثيوبي بمصر اتضح بصورة لا تقبل الشك في الجولات التي استضافتها واشنطن أواخر عام 2019 وبدايات العام الماضي، إذ غابت إثيوبيا عن الجولة الأخيرة للتوقيع على اتفاق تم التوصل إليه بالفعل ثم أعلنت رفضها للاتفاق، وقالت تحليلات إخبارية أمريكية إن الموقف الأثيوبي جاء استجابة لـ”الحلفاء”، والذين في مقدمتهم الإمارات.

تضامن عربي وطعنة إسرائيلية

على المستوى العربي، أصدرت السعودية والبحرين وسلطنة عُمان بيانات داعمة للموقف المصري والسوداني في ملف سد النهضة دون شروط، وقالت إن هذا الملف يمثل قضية أمن قومي عربي يخص المنطقة بأكملها وليس مصر وحدها.. في المقابل غاب دعم الإمارات لمصر بشكل واضح رغم التحالف المعلن بين أبوظبي والقاهرة منذ انقلاب عام 2013.

واكتفت الإمارات بإصدار بيان بعنوان “تثمين الجهود المصرية في تعويم السفينة”، وتطرقت فيه بشكل عرضي بملف سد النهضة، وأكدت “اهتمام أبو ظبي البالغ وحرصها الشديد على استمرار الحوار الدبلوماسي البناء والمفاوضات المثمرة لتجاوز أية خلافات حول سد النهضة بين الدول الثلاث، مصر وإثيوبيا والسودان، وأهمية العمل من خلال القوانين والمعايير الدولية المرعية للوصول إلى حل يقبله الجميع ويؤمن حقوق الدول الثلاث وأمنها المائي، وبما يحقق لها الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، ويضمن ازدهار وتعاون جميع دول المنطقة”.

البيان الإماراتي يثير تساؤلات كثيرة، فالدعوة لحوار بناء تأتي كما لو أنه لم يحدث حوار أو مفاوضات أو كأن الأزمة في بدايتها والسد الإثيوبي مجرد مشروع أعلنت أديس أبابا أنها ستشرع في بنائه بينما مصر ترفض، إذ إن المفاوضات بين الجانبين مستمرة منذ 10 سنوات قدمت مصر خلالها تنازلات لم تكن واردة فيما مضى، وأبرزها إعلان المبادئ نفسه الذي وقعه السيسي، كما وافقت مصر على المقترح الأمريكي رغم أنه كان يشمل تخفيضاً لحصة مصر من مياه النيل طوال سنوات ملء السد ورغم ذلك رفضت إثيوبيا بعد أن وافقت.

الموقف الإماراتي الضبابي، على أقل تقدير، ليس مفاجئاً في ضوء عدد من المؤشرات شهدتها الفترة الأخيرة وكان أحدثها رفض مصر وساطة أبوظبي في ملف سد النهضة. فالبيان الإماراتي “يدعو إلى حوار بناء”، فهو لا يختلف عن البيان الصادر عن إثيوبيا نفسها تعليقاً على ما قاله السيسي حول البحث عن حلول أخرى غير التفاوض، رغم أن السيسي كان واضحاً في قوله إن “مصر لا تهدد أحداً”.

أوراق ضغط

لكن السؤال: ماذا يمكن أن تقدم الإمارات لمصر في هذا الملف الخطير؟ موقع المونيتور الأمريكي، ذكر أن القاهرة أبلغت الخرطوم أن مصر متمسكة بالتدخل الرباعي الدولي (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي) في مفاوضات السد المتعثرة، وأشار إلى أن الإمارات تمتلك أوراق ضغط قوية يمكن من خلالها أن تؤثر على إثيوبيا، إذ لدى الإمارات استثمارات ضخمة في إثيوبيا وعلاقات وثيقة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

وبحسب الموقع الأمريكي، ففي الوقت الحالي هناك 92 مشروعاً استثمارياً إماراتياً في إثيوبيا، وهي متركزة في قطاعات الزراعة والصناعة والعقارات والرعاية الصحية والتعدين، وفي 20 مارس 2019 كما أن الصادرات الإماراتية إلى إثيوبيا في 2018 وصلت إلى 200 مليون دولار، بزيادة 46% عن عام 2017 وبلغت استثمارات بلاده في السودان وصل إلى 7 مليارات دولار، وكان أبرز هذه الاستثمارات في مجالات الزراعة والسياحة، كما تعد الإمارات واحدة من أكبر المستثمرين الدوليين في مصر، إذ وصلت استثمارات الإمارات في مصر إلى 1.61 مليار دولار خلال العام المالي الماضي.

يتضح إذن التوغل الاقتصادي الإماراتي في بلدان ملف السد، وربما يقف هذا الاستثمار الإماراتي في الدول الثلاث، ولو بصورة جزئية، وراء الموقف الضبابي لأبوظبي في ملف سد النهضة رغبة في تجنب وصول الأمور إلى مواجهة عسكرية تتسبب في اضطرابات عنيفة في المنطقة، فيما يرى بعض المحللين أن غياب موقف إماراتي داعم لمصر والسودان بشكل واضح غير مبرر أيضاً من هذا المنطلق، على أساس أن إثيوبيا هي الطرف المتعنت والرافض للتوقيع على اتفاق قانوني ملزم.

استهداف لمصر

استهداف الإمارات لمصر ليس في ملف السد وحده، إذ يرى بعض المحللين أن مواقف الإمارات تجاه مصر أصبحت لغزاً يحتاج للتفسير، وبصفة خاصة منذ إعلان التطبيع مع إسرائيل منتصف أغسطس من العام الماضي وتوقيع اتفاقيات لتطوير ميناء حيفا الإسرائيلي والحديث عن خط أنابيب لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا عبر إسرائيل دون المرور من قناة السويس، وهو ما يعني فقدان القناة لأكثر من ثلث عائداتها التي تأتي من ناقلات النفط.

وبشكل عام، فإن عدم استغلال الإمارات لأوراق الضغط الهائلة التي تمتلكها لدى رجل إثيوبيا القوي كي يتبنى موقفاً أكثر عقلانية في ملف السد، خصوصاً أن مياه النيل تمثل مسألة “حياة أو موت” للمصريين، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أبو ظبي تقف وراء مواصلة آبي أحمد تعنته وصولاً للملء الثاني الأحادي في يوليو المقبل مما يعني ببساطة انفجار الموقف.. وهذا ما تريده الإمارات بالظبط!