تغيير حجم الخط ع ع ع

 

تعمق الغضب والإحباط خلال عقد من الزمن شهد قيام الحكومات العربية في المنطقة بإبعاد القضية الفلسطينية إلى هامش اهتماماتها وملفاتها الخارجية.

 

هذه ليست الحرب الأولى بين غزة والنظام الصهيوني الذي يحتل فلسطين منذ أكثر من 73 عاماً، إنها رابع عدوان عنيف في أقل من 13 عاماً – لكن المواجهة هذه المرة مختلفة لعدة أسباب:

 

أولاً، كانت حماس هي التي بادرت بالمعركة رداً على تدنيس القوات المحتلة للمسجد الأقصى ومحاولتها إخراج العائلات الفلسطينية بالقوة من منازلهم في حي الشيخ جراح بالقدس ليحل محلهم المستوطنون اليهود.

 

ثانياً، تزامنت المواجهة مع عرض غير مسبوق للوحدة والتضامن في جميع أنحاء الضفة الغربية والداخل المحتل وراء الخط الأخضر وفلسطينيو شتات 48، اتحد الفلسطينيون بفضل الاستفزازات الإسرائيلية الصارخة ومحاولات اقتحام ثالث أقدس مكان للعبادة لدى المسلمين حول العالم.

 

ثالثا، يوجد جيل جديد تماما من الشباب والشابات في المقدمة، يتحدى المجتمع اليهودي المتعصب بشكل متزايد والحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، هذا الجيل معظمه وُلد بعد اتفاقات أوسلو بفترة طويلة، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة.

 

ولد هذا الجيل في واقع مختلف تماماً، حيث لم يتبق أراض لأية دولة فلسطينية ذات مغزى، فمنذ عام 1967، وبنشاط أكبر منذ عام 1993، صادرت إسرائيل المزيد من الأراضي الفلسطينية، وبنت المزيد من المستوطنات، ووسعت المستوطنات القائمة، وهدمت المزيد من منازل الفلسطينيين.

لم يكن لدى الجيل الجديد دولة تنتظرهم، بل سلطة فلسطينية -أبرز نتائج أوسلو- تتواطأ مع إسرائيل في قمع الفلسطينيين.

 

التطبيع مع إسرائيل

 

لقد تعمقت خيبة الأمل والمرارة والغضب والإحباط التي يشعر بها هذا الجيل الجديد خلال عقد من الزمن شهد قيام الحكومات العربية في المنطقة بإبعاد القضية الفلسطينية إلى هامش سياساتها، وبلغ ذلك ذروته مع قرار العديد من الدول العربية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، على الرغم من مسعى الأخيرة لضم المزيد من الأراضي وإعلان إسرائيل دولة يهودية متعصبة.

 

المواجهة في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. في عهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أصبح النظام السياسي الذي يسيطر على إسرائيل ينتمي إلى اليمين المتطرف، مما أعطى قوة متزايدة للمعسكر الصهيوني الديني، الذي يعتقد أن فلسطين أرضاً وعدهم بها الله، وبالتالي يحق لهم طرد الفلسطينيين منها.

إنهم يركزون بشكل خاص على المسجد الأقصى، الذي يعتقدون أنه سيصبح في نهاية المطاف موقعاً لمعبد ثالث.

 

ولإعداد المشهد لمثل هذا الاحتمال، طالبوا بملكية منازل فلسطينية بالقرب من المسجد، بما في ذلك في الشيخ جراح، واستخدموا نظام محاكم الفصل العنصري الإسرائيلي لإضفاء الشرعية على عمليات الإخلاء.

في سياق متصل، ينظم المتطرفون اليهود، الذين يتصرفون بحصانة وتحميهم قوات الأمن الإسرائيلية، مسيرات استفزازية داخل القدس، وفي بعض الأحيان يقتحمون مجمع المسجد الأقصى الشريف.

 

جاء التصعيد الأخير في الوقت الذي نظم فيه المستوطنون مسيرة كبيرة للاحتفال بالذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية عام 1967، وخلال شهر رمضان المبارك، قامت الشرطة الإسرائيلية والمستوطنون بترهيب ومضايقة المصلين المسلمين، عبر تنفيذ تدابير لتقييد الوصول إلى المسجد من قبل فلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة.

 

مع تصاعد الاستفزازات والتوترات، وقف المصلون- معظمهم من الجيل الجديد من الفلسطينيين- في مواجهة الشرطة، مما أدى في النهاية إلى إزالة الحواجز من ساحة باب العامود.

 

مظالم عميقة

 

مع تصاعد التوترات، حذرت حماس إسرائيل من استمرار اعتداءاتها على المصلين وتدنيس المسجد، ومنحت إسرائيل حتى الساعة 6 مساء يوم 10 مايو/أيار لتتنحى، ووعدت بأنها ستساعد الفلسطينيين في القدس إذا لم تتراجع القوات المحتلة، وبالفعل بدأت الصواريخ في إطلاقها في الموعد المحدد.

 

مع احتدام المعركة، قُتل أكثر من 200 فلسطيني، من بينهم أكثر من 60 طفلاً، كما تم إلحاق دمار كبير بغزة، حيث قامت إسرائيل بتدمير المنازل السكنية على رأس سكانها، بهدف قلب سكان غزة ضد حماس وفصائل المقاومة الأخرى على الأرجح.

وبدلاً من ذلك، ازدادت جرأة الفلسطينيين في غزة، على الرغم من الألم والخسارة الهائلة، وفي الوقت نفسه، أصيبت مدن جنوب ووسط إسرائيل بالشلل بسبب وابل الصواريخ المستمر من غزة.

 

كما في الحروب السابقة، حاول اللاعبون الإقليميون والدوليون التوسط لوقف إطلاق النار، لكن ما يعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل هو المشاركة الواسعة في هذه الانتفاضة الشعبية للفلسطينيين من جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك مجتمعات عرب 48، وهم الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل، الذين يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية في ظل نظام فصل عنصري وحشي.

لقد تم الاعتداء على عرب 48 في الداخل المحتل، ليُكسر مع ذلك شعارات التناغم العربي اليهودي في البلدات والمدن “المختلطة”، مثل اللد ويافا وحيفا، بشكل لا يمكن إصلاحه.

 

من خلال التحالف مع المتعصبين اليهود الذين يريدون طرد جميع الفلسطينيين من “أرض الميعاد”، نجحت الطبقة السياسية الإسرائيلية الحالية كما لم يحدث من قبل في تحويل الصراع السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى حرب دينية، لكن هل يعتقد الصهاينة حقاً أنهم قادرون على الانتصار عندما يواجهون أكثر من 1.8 مليار مسلم في جميع أنحاء العالم؟

 

 

للاطلاع على النص الأصلي بالألمانية اضغط هنا

 

للاطلاع على النص باللغة الإنجليزية اضغط هنا