تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف

في مطالعة دورية لخبراء حول قضايا تتعلق بسياسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومسائل الأمن قدَّم خبراء مركز كارينجي للشرق الأوسط إجابة على السؤال المثير للجدل في الشرق الاوسط الآن، وهو: هل تعتزم المملكة العربية السعودية تطوير قدرتها على حيازة أسلحة نووية؟”

موضحين أن الأمر مستبعد، ولا يعدو أن تكون التسريبات والكتابات المحسوبة على المملكة وأميرها الشاب تأتي في سياق ما يمكن توصيفه بعبارات مماثلة بعبارة “طق حنك”، مؤكدين أنَّ عقدة إيران ستظل تلاحق المملكة إلى أطول وقت ممكن.

غير وارد

وفقا للتقرير التحليلي الصادر عن مركز كارينجي للشرق الأوسط الذي وصل “العدسة”، فقد أكّد توماس و. ليبمان الكاتب والصحافي السابق ومؤلّف كتاب (المملكة العربية السعودية على الحافة: المستقبل الغامض كحليف أمريكي) أن التخمينات والتلميحات حول رغبة سعودية مُحتمَلة في حيازة أو تطوير أسلحة نووية، لا تنفكّ تطفو على السطح دوريًا منذ العام 1988، منذ أن حصل السعوديون سِرًّا على صواريخ صينية الصنع قادرة على حمل رؤوس نووية. لذا كان من المتوقّع أن تتصاعد وتيرة التخمينات راهنًا، في ظلّ عزم المملكة على المضيّ قدمًا في خططها الرامية إلى بناء محطات للطاقة النووية المدنية.

وقال ليبمان: “غالب الظن أن السعودية لن تسعى إلى حيازة أسلحة نووية، بغضّ النظر عن مآل البرنامج النووي الإيراني؛ لأن المضاعفات السلبية لهذا المسعى ستفوق بشكلٍ كبير أي مكسب إستراتيجي قد يرشَح عنه؛ فالمملكة، التي تُعتبر ضمن الدول الموقِّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، قد ربطت مستقبلها بالاندماج الكامل في النظام الاقتصادي والصناعي العالمي، وبالتالي فهي غير قادرة على تحمّل الإقصاء الدولي الذي قد ينجم عن مساعي حيازة أسلحة نووية.

وأضاف أنه يُضاف إلى ذلك أن السعوديين يدركون جيّدًا أنه ليس لديهم أصدقاء كثر في الكونجرس الأمريكي. من هنا، أي مؤشّر على أن المملكة تنحو نحو حيازة أسلحة نووية، قد يضع حدًّا لصفقات بيع الأسلحة الأمريكية مع السعودية، طابعًا بذلك قبلة الموت على علاقةٍ إستراتيجية لطالما ضمنت أمن المملكة.

مستقبل التسليح!

أما الصحفي والكاتب السعودي الذي يقيم في واشنطن جمال خاشقجي فيرى أنَّ جلّ اهتمام النوايا النووية السعودية يتمحور حول إيران، فلذا فالسعودية كيف تحصل هذه الأخيرة على قوة نووية، فيما المملكة تفتقر إلى مثل هذه القوة، فهذا بحسب رأي المملكة لا يشكّل فقط تهديدًا للسعوديين بل أيضًا إهانة للمملكة على المستوى المحلّي.

وأشار إلى اعتقاده أنَّ السعودية رحّبت بصدق بالاتفاق النووي مع إيران غداة توقيعه، لكن مشكلته هي أنه تجاهل مسألة توسّع إيران في طول الشرق الأوسط وعرضه، وهذا أمر تعهّد ترامب بالتصدّي إليه لكن السعوديين يدركون أيضًا أن للاتفاق إطارًا زمنيًا محدودًا، يمكن لطهران بعد انتهائه استئناف صنع سلاح نووي، وفي الوقت نفسه، لاتزال إيران مُتقدّمة على السعودية في مجال المنشآت والبحوث النووية، وعلى الرغم من هذا الاتفاق، تمضي طهران قدمًا في بحوثها النووية وفي تدريب الخبراء.

وقال جمال خاشقجي: “الآن، بدأت المملكة في الردّ على هذا الأمر: فقد اندلع سباق في المنطقة لبناء مفاعلات نووية، يشمل أيضًا الإمارات العربية المتحدة ومصر، حتى لو لم يكن في حوزة هذه الدول أسلحة نووية، ومن غير الواضح ما إذا كان هناك تعاون بين هذه الأطراف على غرار التعاون المزعوم بين السعودية وباكستان، لكن طالما أنَّ الاتفاق مع إيران قائم، يمكننا أن نشعر بالتفاؤل حيال الفكرة بأنَّ معظم الأنشطة النووية ستُخصص لتوليد الطاقة، هذا هو الطريق الصحيح؛ إذ لن تواصل عندها السعودية استهلاك ما يزيد عن مليون برميل يوميًا لتزويد مدنها ومصانعها بالطاقة الكهربائية، بيد أن سباق التسلّح الحقيقي سينطلق في غضون ثمانِي سنوات، أي مع انتهاء اتفاق إيران. وهذا بالطبع إذا لم يُجدَّد هذا الأخير أو ينهار بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب، وهذا الانهيار لن يصبّ حتمًا في مصلحة الرياض، حتى ولو بدت وسائل الإعلام السعودية مُرحِّبة به”.

احتمال قائم!

من جانبه يرى سايمون هندرسون مدير برنامج سياسات الخليج والطاقة في معهد واشنطن أنه ربما تمتلك السعودية بالفعل أسلحة نووية، بفضل باكستان، إذ يُفترض أنه بالإمكان إرسال صواريخ باكستانية مزوّدة برؤوس نووية إلى المملكة، سواء بهدف تعزيز قوة الردع السعودي ضد إيران، أو لحماية جزء من القوة الإستراتيجية الباكستانية خلال الأزمات مع الهند، ما يعقّد خيارات نيودلهي.

وأوضح أنه في هذا الإطار يُعاد التأكيد على تفاصيل هكذا تفاهم سعودي- باكستاني (الذي قد لا يكون اتفاقًا مكتوبًا) في كل مرة يطرأ فيها تغيّر في الحكومة الباكستانية، أو تغيير مرتبط بالعرش السعودي. وهنا يكمن الدافع وراء الزيارتين اللتين قام بهما وزير الدفاع السعودي (وحاليًا ولي العهد) محمد بن سلمان إلى باكستان منذ تولي والده الملك سلمان العرش في العام 2015. ومن هنا أيضًا الزيارات المنتظمة التي يقوم بها القادة العسكريون الباكستانيون إلى المملكة- ففيما يتعلق بالسياسة العسكرية والأمنية لا يمكن لأي حكومة مدنية في إسلام آباد سوى الاضطلاع بدور ثانوي.

أمر مستبعد!

أما محلّل أول لشؤون إيران والعراق وأفغانستان والخليج العربي في دائرة البحوث التابعة للكونجرس الأمريكي، كينيث كاتزمان فيرى بصفته الشخصية أنّ استخدام السعودية التكنولوجيا النووية المدنية كغطاء لتطوير برنامج أسلحة نووية أمر مستبعد، إلا إذا خطت إيران في هذا الاتّجاه، فالسعودية تسعى إلى تطوير تكنولوجيا نووية لتلبية حاجات الطاقة المتنامية باطّراد، وأيضًا كي تُظهر لإيران أنها لا تحتكر التكنولوجيا النووية في منطقة الخليج.

وأشار إلى أنَّ أي ضوء أخضر قد تُعطيه الولايات المتحدة للسعودية لتطوير قوة نووية، سيترافق مع فرض قيود كبيرة على استخدام التكنولوجيا الأمريكية، لمنع السعودية من تطوير أسلحة نووية.

ولاشك أن القادة السعوديين يدركون أن علاقة السعودية مع الولايات المتحدة ستتلقّى ضربة لن تتعافى منها في حال انتهكت المملكة هذه القيود، لكن حيازة تكنولوجيا نووية مدنية أمرٌ يخدم على نحو ملائم هدف السعودية الرامي إلى توجيه رسالة للجمهورية الإسلامية، مفادها أنَّ أي خطوة تتخذها هذه الأخيرة لتطوير أسلحة نووية ستكون المملكة لها في المرصاد.

تناقض سعودي!

وفي السياق ذاته يرى مارك هيبز الباحث الأول في برنامج الشؤون النووية في مؤسسة كارنيجي أنَّ السعودية اتخذت حتى الآن خطوات تشي بأنها لا ترغب في حيازة أسلحة نووية، فهي من بين الدول الموقِّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، ناهيك عن أنها أبرمت اتفاق التفتيش الشامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما صادقت العام الماضي على معاهدة حظر الأسلحة النووية في الأمم المتحدة، وكانت أعلنت لكلٍّ من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والولايات المتحدة، وروسيا، وغيرها عن رغبتها في بناء منشآت نووية لتوليد الكهرباء، وتطوير التكنولوجيا، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. مع ذلك، تثير العداوة القائمة بين الرياض وطهران مخاوف من أن تعمد السعودية سرًّا، على غرار إيران، إلى تخصيب اليورانيوم الذي يمكن استخدامه إما لتوليد الطاقة أو لبناء أسلحة نووية. لكن، على عكس إيران، تبدو البنى التحتية السعودية بدائية وغير متطورة، وبالتالي من غير الواضح ما إذا ستتمكّن المملكة من تخصيب اليورانيوم. كذلك، ولاعتبارات أمنية وتجارية، لن تتشاطر أيٌّ من الدول التي تقوم بتخصيب اليورانيوم لإنتاج الوقود النووي تقنياتها مع دول أخرى.