تغيير حجم الخط ع ع ع

  خلال زيارته لواشنطن الشهر الماضي، أكد رئيس المخابرات المصرية عباس كامل – للمسؤولين في الكابيتول هيل – أن الولايات المتحدة تعهدت لمصر في 2015 أنه إذا أطلقت تم الإفراج عن الناشط الأمريكي محمد سلطان، فسوف يقضي بقية عقوبة السجن المؤبد في سجن أمريكي، متسائلاً عن الأسباب التي تجعله حراً الآن ويعيش في فيرجينيا!

 لم تكن تأكيدات كامل شفهية، بل دعمها بوثيقة، حصلت بوليتيكو على نسخة منها، عبارة عن اتفاقية موقعة بين مسؤولين مصريين وأمريكيين تنص على الشروط السابقة كون “سلطان” متهم بنشر أخبار كاذبة والمشاركة في أنشطة إرهابية -حسب ادعاء المصريين-.

 تساؤلات عباس كامل كانت جريئة للغاية، خاصة أنها تأتي في وقت تناقش فيه إدارة بايدن مسألة تخفيض المساعدات العسكرية للمصر بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، ومن المتوقع اتخاذ قرار في غضون أسابيع.

 خفض المساعدات أو قطعها فكرة يؤيدها أعضاء الكونغرس التقدميون، مستندين في ذلك على وعود بايدن بجعل حقوق الإنسان أولوية في سياسته الخارجية وأنه تعهد بأنه لن يكون هناك “المزيد من الشيكات على بياض” لعبد الفتاح السيسي، الديكتاتور المصري الذي سجن عشرات الآلاف من المعارضين، وارتكب انتهاكات جسيمة ضد المعارضين أبرزها تثبيت حكم الإعدام بحق 12 شخصاً من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية تنبذ العنف، لكن يعتبرها السيسي تهديداً.

 على الجانب الآخر، يرى الكثيرون أن مصر حليفاً مهماً لا يمكن الاستغناء عنه، هي شريك في الحرب ضد الإرهاب، وقد حافظت على اتفاق السلام مع إسرائيل على الرغم من مرورها بثورة وانقلاب خلال العقد الماضي، كما توسطت حكومة السيسي في اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل ومقاتلي حماس، وهي خطوة ساعدت في تحسين صورة القاهرة في واشنطن.

 “اتفاق غير واجب التنفيذ”

 يصف سلطان نفسه بأنه مدافع عن حقوق الإنسان علق وسط الفوضى في مصر أثناء محاولته نشر أخبار انتزاع السيسي للسلطة في عام 2013، وبالرغم من كونه ابن أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، فهو ليس عضواً فيها.

 في مايو/أيار 2015، بعد مفاوضات مكثفة، أطلق نظام السيسي سراح محمد سلطان مما سمح له بالعودة إلى أمريكا بعد التخلي عن جنسيته المصرية والاكتفاء بالجنسية الأمريكية فقط، لكن عباس كامل وعدد من التقارير الواردة من ذلك الوقت يؤكدون أن المسؤولين الأمريكيين وافقوا على أن يقضي سلطان ما تبقى من عقوبة السجن المؤبد في زنزانة أمريكية.

 من غير المرجح أن يسجن النظام الأمريكي سلطان بسبب التعليقات السياسية أو غيره من الأفعال التي أوصلته إلى سجون السيسي، لكن مسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة قد وافقت من الناحية الفنية على مثل هذه الصفقة هو أمر مثار للشكوك.

 ومع ذلك، قال شخص مطلع على الأمر، إن مسؤولي وزارة الخارجية اطلعوا على الوثيقة وأخبروه أن أحد موظفي الإدارة وقع عليها عندما تم عرضها عليهم في المطار في اللحظة الأخيرة، بينما كان المسؤولون الأمريكيون يحاولون إخراج سلطان من البلاد.

وأضاف هذا الشخص أن المسؤولين أكدوا أن مثل هذا الاتفاق غير واجب التنفيذ قانوناً.

 جاء في الوثيقة المكتوبة بالعربية أنه تم التوقيع عليها من قبل ممثل السفارة الأمريكية وممثل “الإنتربول بالقاهرة”، وتنص على إرسال سلطان إلى “وطنه لاستئناف عقوبته تحت إشراف السلطات المختصة”.

 من الصعب فك شفرة توقيع الأمريكي الذي قيل إنه وقع على الوثيقة، لكن الوثيقة تنص على أنه تم تسليم سلطان إلى شخصين في قوة أمنية أمريكية، يبدو أن أحد أسماء الأشخاص، المكتوب باللغة العربية، هو نولين جونسون، ويبدو أن التوقيع يحتوي على حرف “N” و “J.”

 وفقًا لملفه الشخصي على “لينكد إن”، جونسون هو دبلوماسي أمريكي كان يقيم في مصر وقت إطلاق سراح سلطان، ويذكر جونسون في الملف الشخصي على الموقع أنه “حصل على جائزة الشرف العليا الجماعية لدوري في تأمين الإفراج عن معتقل مصري أمريكي رفيع المستوى وإعادته إلى الوطن”.

 ولم يرد جونسون على طلبات التعليق، كما لم ترد السفارة المصرية في واشنطن على طلبات متعددة للتعليق.

 في بيان، وصف سلطان ادعاءات كامل بأنها “تطور طبيعي لحملة الترهيب والتنمر الموثقة جيدًا من قبل النظام المصري ضدي وضد المدافعين عن حقوق الإنسان”، مضيفاً “آمل أن تستجيب حكومتي بسرعة وحسم لحماية حقوقي وحرياتي الأساسية من انتهاكها”.

  نداء من التقدميين

 يبقى السؤال الذي يطرح نفسه الآن في ظل هذه التطورات كم سيبلغ مقدار المساعدة العسكرية الأمريكية التي يجب إرسالها إلى مصر.

وتتلقى مصر حوالي 1.3 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية، لكن وبسبب انتهاكات مصر المتزايدة، جاءت اقتراحات بقطع 300 مليون دولار من هذا المبلغ طالما لم تستوف مصر بعض الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان التي طالب بها الكونغرس، لكن وزير الخارجية لديه الخيار لإلغاء هذه المتطلبات ومنح مصر الأموال إذا قرر أن ذلك في مصلحة الولايات المتحدة.

 في مايو/أيار، كتب سبعة من أعضاء مجلس الشيوخ التقدميين في الولايات المتحدة، بينهم إليزابيث وارين من ولاية ماساتشوستس وشيرود براون من ولاية أوهايو، رسالة إلى وزير الخارجية أنطوني بلينكن لحثه فيها على التراجع عن مبلغ 300 مليون دولار.

 وأشار أعضاء مجلس الشيوخ في خطابهم إلى أن هناك “ما يقدر بنحو 20.000 إلى 60.000 سجين سياسي في مصر”، مضيفين: “نحن قلقون بشكل خاص بشأن ظروف الصحة والسلامة التي يُحتجز فيها سجناء الرأي، والتي تفاقمت بسبب جائحة كورونا”.

 الآراء منقسمة داخل وزارة الخارجية، حيث يطالب المسؤولون في مكتب الوزارة المعني بحقوق الإنسان بحجب الأموال، مشيرين إلى أن السيسي يدير بوضوح نظاماً شديد القمع لا يتسامح مع أي معارضة، في المقابل، يعارض هذا الموقف مكتب وزارة الخارجية الذي يتعامل مع الشرق الأوسط، والذي يرغب مسؤولوه – كما هو الحال عادة – في الحفاظ على العلاقة مع القاهرة قوية ومستقرة، لكن لم يتم حسم الأمر بعد.

 إن موقف بلينكين من مساعدة مصر غير واضح في هذه المرحلة، لكن في عام 2011، انفصل بلينكن عن نائب الرئيس آنذاك بايدن عندما تعلق الأمر بدعم انتفاضة شعبية مصرية ضد الديكتاتور حسني مبارك، حيث أراد بايدن أن تدعم الولايات المتحدة مبارك، مشيراً إلى مساعدته الطويلة للولايات المتحدة، أما بلينكين، الذي عمل مستشارًا للأمن القومي لبايدن في ذلك الوقت، انضم إلى مساعديه الآخرين في حث الرئيس باراك أوباما على دعم تطلعات الشباب المصري الساعين إلى الديمقراطية.

 وخلال فترة رئاسته، لم يول دونالد ترامب اهتماماً كبيراً لانتهاكات السيسي لحقوق الإنسان، حتى أنه وصفه بدكتاتوره “المفضل”.

 يورد تقرير حقوق الإنسان السنوي لوزارة الخارجية تفاصيل سلسلة من الانتهاكات في مصر، من القتل خارج نطاق القضاء إلى التعذيب إلى الأعمال الانتقامية ذات الدوافع السياسية ضد الأشخاص خارج البلاد.

خلال حملته الانتخابية، انتقد بايدن تسامح ترامب مع مثل هذه الانتهاكات من قبل أي دولة، ووعد في تغريدة “لا مزيد من الشيكات الفارغة لـ” الديكتاتور المفضل لترامب “.

 لكن منذ أن تولى بايدن السلطة في يناير/كانون الثاني ، وجدت مصر طرقا مفيدة لتقوية علاقتها مع الولايات المتحدة، أبرزها المساعدة في التفاوض على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل ونشطاء حماس في قطاع غزة بعد 11 يوما من الاشتباكات في مايو/أيار، وفي الأيام التالية، زار بلينكن مصر والتقى بالسيسي، ووصف مصر بـ “الشريك الفعال” في التعامل مع الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية.

 بالرغم من ذلك، يرى بعض المحللين أن مصر لم تعد حليفًا للولايات المتحدة مهماً كما كانت في السنوات، حيث قال مايكل حنا، مدير البرنامج الأمريكي في مجموعة الأزمات الدولية “إن دور مصر الإقليمي الأكثر فاعلية وواقعية في الأشهر الأخيرة خلق متنفسًا للقاهرة، ولكن هذا النهج في الشؤون الإقليمية يعكس في الأساس مصالح مصر الذاتية وليس نتيجة لعلاقتها مع الولايات المتحدة”.

 في الأسابيع الأخيرة، كان النشطاء يضغطون على إدارة بايدن للتحدث علانية ضد أحكام الإعدام التي صدرت ضد عشرات القيادات في جماعة الإخوان المسلمين الذين أدينوا بسبب معتقداتهم السياسية.

 وبحسب رسائل البريد الإلكتروني التي اطلعت عليها صحيفة بوليتيكو، يقول مسؤولون في وزارة الخارجية إنهم أثاروا قضية المتهمين الاثني عشر في مناقشات خاصة مع نظرائهم المصريين، ومع ذلك، تشير رسائل البريد الإلكتروني إلى أن إدارة بايدن لا تريد الإعلان عن مخاوفها صراحة.

  للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا