fbpx
Loading

عداوة تركيا بين المؤسس “عبدالعزيز” ومملكة “بن سلمان”

تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

لم يكن غريبا على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن يضع تركيا صاحبة الإرث العثماني العتيد في خانة أعداء المملكة، مستلهما في ذلك تجربة آل سعود وتحديدا جده “عبدالعزيز” مؤسس الدولة السعودية الثالثة.

الخلافات بين “عبدالعزيز” والدولة العثمانية وصلت إلى حد الحروب، بينما يقود حفيده “بن سلمان” تيارا عدائيا غير مسبوق مع الدولة التركية حاملا لواء التأسيس الرابع للمملكة، حيث يصفه كثيرون بذلك تماهيا مع جملة التغييرات السياسية والدينية والاجتماعية التي قادها حتى قبل جلوسه الرسمي على عرش البلاد خلفا لأبيه.

أصل الحكاية

تعود الخلفية التاريخية لبداية العلاقات المتبادلة بين السعودية وتركيا (دولة الخلافة العثمانية) إلى أربعينيات القرن الثامن عشر، حيث قبِل السلطان العثماني محمود الأول سيطرة آل سعود، التي تعود أصولها إلى منطقة نجد والدرعية، على منطقة الحجاز وسواحل نجد والبصرة.

وبقبول السلطان محمود الأول لهذه السيطرة تبدأ العلاقات الدبلوماسية بين الدولة العثمانية، سلف الجمهورية التركية، وبين المملكة السعودية الأولى، التي تأسست عام 1744 على يد محمد بن سعود آل مقرن في محيط نجد والدرعية.

تعود الأصول النسبية لقبيلة أو عائلة سعود، حسب الشجرة النسبية، إلى جدهم الأول مانع بن ربيعة المريدي الذي تعود أصوله إلى الفرع العدناني العربي، وتُعد أصولهم المُتجذرة في منطقة الحجاز، هي من شجعت السلطان محمود الأول على توليتهم إدارة نجد ومحيطها وسواحلها، لارتباطهم التاريخي والجغرافي بها ولإلمامهم الواسع بكيفية فرض السيطرة والتحكم عليها وعلى سكانها.

لكن “محمد بن سعود” لم يكن مستعدا للبقاء في محيطة منطقة نجد والدرعية فقط، بل كان على نية لتوسيع رقعة دولته الجغرافية بأكبر قدر ممكن.

ولعل الاتفاق الذي جمع بين الإمام “محمد بن عبدالوهاب” الذي تنتسب إليه الوهابية وأمير المنطقة محمد بن سعود عام 1744، هو العنصر الذي لعب دورًا كبيرًا في توسيع رقعة النفوذ السعودي في منطقة الجزيرة العربية، فكان قوام الدولة الوليدة تحالفا سياسيا دينيا.

هذا التحالف استقطب العديد من القبائل العربية لمبايعة “بن سعود” أميرا عليهم، وعمل على إعداد الجيش والعسكر واستخدامهم في عملية التمدد، كما انضمت بعض القبائل للجيش الذي أسسه، وحاول محمد بن سعود مهاجمة مكة والأحساء وبعض مناطق العراق، ولكنه لم ينجح في السيطرة على أي منطقة منها، لمواجهته لمقاومة عنيفة من القبائل العربية والجيش العثماني.

وكانت هذه أولى المواجهات الساخنة بين الدولة العثمانية وإمارة الدرعية (الدولة السعودية الأولى)، وبسبب هذه المواجهات؛ طرأ أول انقطاع دبلوماسي على أواصر العلاقات الدبلوماسية السياسية بين الدولة العثمانية والإمارة السعودية.

الدولة العثمانية تفيق

واستمر أمراء الدولة السعودية الأولى في التوسع مقابل تقاعس الدولة العثمانية، حتى أيقن السلطان العثماني، في ذلك الوقت، سليم الثالث بأن خطر التمدد العثماني بات محدقا في مناطق الجزيرة العربية، لذا أمر الصدر الأعظم سليمان باشا، عام 1799، بالتحرك السريع بالجيش العثماني تجاه مناطق القبائل العربية التابعة للدولة العثمانية.

وصل سليمان باشا بجيوشه إلى منطقة الجزيرة العربية، ولكن براعة جيش عبدالعزيز بن محمد بن سعود القبلي المعتاد على حروب الصحراء جعلته يتفوق على جيش الدولة العثمانية، ما أجبر الأخيرة على الهدنة.

لم تفقد الدولة العثمانية الأمل في القضاء على التطلعات التوسعية لأسرة آل سعود التي تنجح في ضم المزيد من المناطق في شبه الجزيرة العربية إلى سلطتهم، واستعانت في حملاتها بوالي مصر محمد علي باشا الذي أرسل نجله إبراهيم باشا على رأس قوة تمكنت من استعادة الحكم العثماني على مساحات واسعة بالجزيرة عام 1818 لتسقط بذلك الدولة السعودية الأولى رسميا.

وخلال سنوات الدولة الثانية التي أسسها “تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود” تغيرت العاصمة من الدرعية إلى الرياض وتوسعت بشكل محدود على عكس سابقتها، كما أن الصراع والحروب الداخلية أضرت بها، حيث تسبب اختلاف أبناء فيصل بن تركي بن عبدالله آل سعود في إضعاف الدولة والتسبب بسقوطها على يد آل رشيد حكام إمارة جبل شمر في سنة 1891.

جد ابن سلمان ومعاركه

استقر آخر أمراء الدولة السعودية الثانية وهو “عبدالرحمن بن فيصل بن تركي” في الكويت بعد سقوط دولته، لكن “آل سعود” استفادوا من إقامتهم في الكويت حيث منها بدأت تحركاتهم لاستعادة حكمهم الذي فقدوه، وكانت أواصر العلاقة الطيبة كانت قد توطدت بين آل سعود والشيخ مبارك الصباح أمير الكويت، الذي ربطته علاقة وثيقة بالفتى (حينها) عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود.

وفي عام 1902 نجح الشاب “عبدالعزيز” في الاستيلاء على الرياض، لينطلق منها نحو استعادة ملك آبائه وأجداده، وبدأها خلال عام واحد بتوحيد المناطق الواقعة جنوب الرياض وغربها ثم توجه بأنظاره نحو القصيم حتى تدين له نجد بالكامل.

وبعد دخول عبدالعزيز الرياض وإحكام السيطرة عليها؛ بدأت سلسلة من المواجهات مع الدولة العثمانية ووكلائها في الجزيرة، أولها كانت مع أمير حائل واستمرت 20 عاما، وشهدت التواجد الأول لقوات نظامية عثمانية.

وأرسلت الدولة العثمانية قوتين إلى نجد للتفاوض مع عبدالعزيز، وبعد عقد عدة مفاوضات بين الطرفين تم الاتفاق على أن يُرفع العلم العثماني على كل من بلدتي بريدة وعنيزة في القصيم، وبهذا الاتفاق تمكن عبدالعزيز من تحييد الدولة العثمانية في نزاعه مع أمير حائل.

وكان عبدالعزيز يعد نفسه الحاكم الشرعي لمنطقة الأحساء (شرق البلاد) بالإضافة إلى منطقة نجد، وفي عام 1913 رأى أن الوقت مناسب لضم تلك المنطقة لحكمه، فتمكن من دخول الأحساء وإحكام السيطرة بها، ثم أمر بجمع الجنود العثمانيين بأسلحتهم وترحيلهم إلى البحرين.

وفي العام التالي اندلعت الحرب العالمية الأولى، وسعت الدولة العثمانية إلى اجتذاب السعودية إلى صفها ضد الإنجليز، لكن الملك عبدالعزيز رفض لما رآه من بأس شديد للقوات الإنجليزية التي تمكنت من احتلال البصرة، فكان موقف الدولة السعودية حينها هو الحياد.

وبعد عامين من بداية الحرب العالمية الأولى، أعلن شريف مكة الثورة العربية ضد الدولة العثمانية، وأصبح الملك عبدالعزيز في المعسكر المضاد للدولة العثمانية نظريا، لكنه لم يشارك فعليا في مساعي إسقاطها.

وقال شكيب أرسلان في كتابه “حاضر العالم الإسلامي”: “ولما اشتعلت الحرب العالمية راسلت الدولة الأمير ابن سعود في خوض غمراتها إلى جانبها فلم يجب طلبها، لا كرهًا لها بل خوفًا على بلاده من الإنجليز، لاسيما بعد أن رأى تقدمهم في العراق”.

لكن بعض المؤرخين يذهبون إلى أن الملك عبدالعزيز تعاون مع الإنجليز بشكل وثيق في تحركاته العسكرية ضد الدولة العثمانية في مختلف مراحل تأسيس دولته.

واستمرت الدولة العثمانية في التراجع بعد الحرب العالمية، وسط مؤامرات غربية شرسة حتى سقطت عام 1924، بينما تأسست رسميا المملكة العربية السعودية (الدولة الثالثة) على يد الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1932، بعدما تمكن من ضم كافة أرجاء شبه الجزيرة العربية التي تضمها حدود المملكة حاليا.

الآن، يبدو أن عقارب الساعة تعود للوراء، وأن الحفيد “بن سلمان” يستلهم ماضي جده في عداء تركيا سليلة الدولة العثمانية، ويصرح بذلك علنا، ويضمها بجانب إيران والجماعات الإرهابية في محور الشر.

فإلى أي مدى يمكن أن تصل درجة العداوة تلك، وهل يروض أحد “الأمير المتهور” ويجذبه بعيدا عن أية مواجهات غير محسوبة تجر على مملكته الطامحة في تجاوز عثرتها الاقتصادية ويلات كثيرة؟.


اترك تعليق