fbpx
Loading

“عشريني على مشارف السبعين”

بواسطة: | 2017-12-21T17:35:21+02:00 الإثنين - 18 ديسمبر 2017 - 11:41 ص|
تغيير حجم الخط ع ع ع

كانت الروايةُ لرضوى، والقلمُ لقلبِها -أو القلبُ لقلمِها-، والعملُ هو الطنطورية، تحكي فيه عن رقية التي هُجّرت طفلةً من قريتها الساحلية هي وأهلها ومعظم فلسطين، إلى أن صارت في الغربة جدّة في السبعين من عمرها، بأولادٍ وأحفادٍ وذاكرةٍ من الحروب والمجازر والتهجير والغربة والبحر والوطن. أضحكُ في صفحةٍ، وأغنّي في أخرى، وأشعرُ بي طفلًا في الخامسةِ تحكي له جدّته روايةَ الأرضِ والعمرِ والقضية.

في وصفٍ بين السطورِ لمشاكسة أبنائها معها وغيرة بعضهم من بعضٍ في القرب منها؛ تحكي عن ابنها عبِد الذي أثارت مريمُ أختَه الصغيرة غيرتَه، فجلسَ على طرف الكرسيّ الذي عليه أمُّه وأحاطها بذراعه. لا أعلم ما الذي جعلَني وأنا بين هذه الكلماتِ التي تبدو عاديّةً في سردٍ طويلٍ، أبكي بلا سابق استثارة مشاعر ولا تجهيز دموع؛ وجدتُّني أهتزّ جاهشًا لأوّل مرةٍ منذ زمنٍ طويل، كأن في حلقي كرةً من العلقم تراكمت على مدى خمس سنواتٍ بهموم خمسين سنة. أذهب بالذاكرةِ إلى أمّي التي يفصل بيني وبينها مدنٌ وبحارٌ وقارةٌ غير القارة وآلاف الأميال وتصريحٌ وختمُ خروجٍ بلا عودة.

تحدّثني عن إعيائها هذه الأيّام، وأنا لا أملك إلا هاتفًا أسمع فيه صوتها وسجدةً أدعو لها فيها وليلًا طويلًا ثقيلًا لا أذوق النومَ فيه من قلقي عليها. أتذكّر هذه الجميلة وكأنني أفقتُ للتوّ من غيبوبةٍ بدأتْ منذ نصف عقدٍ ولا أعلم متى تنتهي. لم أهنأ بجوارِها في يومٍ واحدٍ منذُ أن قطعَ طفولتي من حجرِها هتافٌ ومجزرةٌ ومطاردةُ وسجنٌ وغربة. أقول أمّي كم عمرها الآن؟ أربعونَ عامًا وخمس سنوات، ولا يمكن أن أقول أنهم خمسةُ وأربعون دفعةً واحدة. آخر عيد ميلادٍ صغيرٍ احتفلتُ به معها، كان حين أتمّت الأربعين. ولم يكن شعرُها شابَ ولا ذبلت ملامحها، فتراها كيف الآن؟ صوتُ ضحكِها لا يفارق أذني، وصوت بكائها كذلك؛ وكم كنتُ أنظرُ إليها بعينٍ متسائلةٍ عمّا يجعل المرءَ يهتزّ في بكائه كأنه جانٌ؛ فأولّيَ مدبرًا ولا أعقّب.

الآنَ فهمتُ كيفَ لكلمةٍ واحدةٍ أن تعرّيَني أمام نفسي، وأن تُظهر لي حجم الخرقِ في سفينتي المبحرةِ منذ سنواتٍ، وحيدًا فيها بلا وجهة ولا قبطانٍ ولا طاقم. في يوم المجزرةِ لم أبكِ، وحين أصبت في رأسي لم أبكِ، وحين شاهدت الجثث محترقة لم أبكِ، وحين فقدتُ الوعيَ فأفقتُ لأجدَ نفسي بين صفٍ من الشهداءِ كواحدٍ منهم، لم أبكِ.. عدتُّ إلى البيت بعد ثلاثين ساعةً من بداية المجزرةِ حافي القدمين جريحًا مربوط الرأس مسودّ الوجه والجسم، التقفوني في أحضانهم وبكوا كثيرًا.. ولم أبكِ. بعد أسبوعٍ رقدتُّ على سريري وما إنْ نظرتُ إلى نفسي من الداخل حتى هرولَتْ أمّي إلى الأعلى على صوت بكائي المرير. بكيتُ حين التفتُّ إليّ مولِّيًا وجهي عن كل قبلةٍ إلا التي بين ضلوعي.

في سنوات المطاردةِ لم أبكِ.. إلا حينَ نظرتُ إلى نفسي من الأعلى، فوجدتّني على الخريطة في ساعةٍ متأخرةٍ من كل ليلةٍ أسلك شوارعَ نائية وأزقة مهجورة لأصلَ إلى وجهةٍ لم أبت فيها أمس ولن أبيت فيها غدا. في سلخانةِ الأمن الوطنيّ.. لم أبكِ حين عصبوا عيني ولا حين اصطحبوني مكبّلًا ولا في ساعات التعذيب والتحقيق.. فقط بكيتُ حين نظرتُ إلى نفسي من زاويةٍ متسللة في أقصى الغرفة، فوجدتُّني كالذبيحةِ مكبّل القدمين واليدين ومعصوب العينين.. ملقىً على الأرضِ النجسةِ بين بولٍ وحشرات.. ولا أملكُ بإرادتي نومًا ولا رؤية ولا حتى قضاء حاجة. في السجنِ لم أبكِ مع كل تجديدٍ وتمديدٍ وذل وتعنّت وإهانةٍ وعقابٍ.. فقط بكيتُ حين نظرتُ إلى نفسي من شراعة الباب فوجدتُّ طفلًا مسكينًا ينامُ على جنبه بجوارِ الحمّامِ في علبةٍ خرسانيةٍ مساحتها ثلاثة أمتارٍ وعددُ المحشورين داخلها ثلاثون رجًلا. في الغربةِ بكيتُ.. لكنني لم أجهش بالبكاءِ إلا حين نظرتُ إلى نفسي من وراءِ الحدودِ فوجدتُّ فتىً في العشرين خرجَ من بلده كرهًا، يقرأ روايةً تحكي فيها سيدةٌ سبعينيةٌ عن همومها وآلامها فيفاجأ بها تحكي عن نفسِه..! مصدومًا يسأل عن متى وأين وكيفَ كبر الفتى خمسين خريفًا دفعةً واحدة!

إننا في الحقيقةِ نمضي في هذه الدنيا بلا التفاتٍ إلى أنفسنا، وكل واحدٍ منا كغريقٍ يراقبُ الموجَ والبحرَ وحطامَ السفنِ واتجاه الرياح، منشغلًا بما يدور حولَه.. ولو نظرَ إلى نفسِه من الأعلى لوجدَ مسكينًا يغادر الحياة ببطء.

إنّ مرارةَ الدموعِ أثقل على النفسِ مما يبكيها أصلًا، وإنْ كانَ قهرُ الرجالِ نارًا فقهر الشبابِ المشيبينَ واديًا في قعرِ جهنّم. إننا صغارٌ ولكن فوجئنا بمساحةِ المشاعرِ المؤلمة تتمدد في قلوبنا رغم سير العمرِ الطبيعيّ؛ فنصابَ بتمزقٍ في ضلوعِ الصدر لأنَّ حجم المُحتوَى أكبر من مساحةِ المحتوِي، ونشعر بجفافٍ في المقَلِ لأننا استنفدنا مخزونَ العمرِ كاملًا في أول ربعٍ منه فقط، ونحسّ بعدميةِ الحياةِ لأنّ كل ما يمكن حدوثُه على مدار السنين حدث في معشارِها.

الخذلانُ الذي يذوقه المبتَلون بالحب في أواخر العشرينات ذقناه قبل بلوغ العشرين. والغربةُ التي قد يذوقها الكبار في الثلاثين طلبًا للحياةِ، ذقناها نحن في العشرين هربًا من الموت. والسجنُ الذي قد يتعرضُ له الأربعينيّون عقابًا على مواقف اتخذوها، تعرضنا له نحنُ في العشرينَ عقابًا على مواقف لم نفكّر في اتخاذها. والمنفَى الذي يُبعدُ إليه الخمسينيون من قادة الأفكار فترةً محددة، نُفينا نحنُ إليه قبل أن نعرف كيفية التفكير أصلا، منفيّين بلا عودة. والموتُ الذي يذوقُه الستينيون بعد قضاء حيواتهم، نتجرعُه نحن الآن ولم نذق الحياة بعد. والدموعُ التي يبكي بها السبعينيّون في فرش الموتِ على ذكرياتِهم الحلوة، ننفقها الآن بسخاءٍ على أنْ لا ذكريات حلوة في حيواتنا الصغيرة لتهوّن علينا قصَر العُمر وطولَ الحوادث معًا.. اسألني في أحد شوارِع المنفى حين تقابلني أن أصف نفسي أو أقران المحنة في سطرٍ واحد؛ سأقول لك ما سأكتبه في وصيّتي الأخيرة: إنني عشرينيٌّ.. بدموعٍ سبعينية.. سأرحلُ وفي جعبتي حياةٌ طيّبة لم أعشها.. ومعيشةٌ ضنكًا لم أحيها.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.

عن الكاتب

يوسف الدموكي
يوسف الدموكي
شابٌ مصريٌّ مقيمٌ في تركيا، أدرسُ الإعلام، وأكتبُ من أجل الكتابة؛ إذ القلمُ حياةُ مَن يأبَى الموتَ رقمًا؛ و الكلمةُ فرضٌ لمن استطاعَ إلى الحياةِ سبيلًا

يوجد تعليق واحد

  1. Aya الثلاثاء، 26 ديسمبر، 2017 at 10:39 م - Reply

    مقاله فياضة المشاعر أبكتنى
    كتله من المشاعر على ورق
    أحسنت كاتبا !
    كسر الله غربتك وأعادك إلى أمك ووطنك قريبا أتمنى إن شاء الله

اترك تعليق