في تطور أمني لافت يعكس حجم التهديدات الاستخباراتية التي تتعرض لها تركيا خلال السنوات الأخيرة، أعلنت السلطات التركية عن تفكيك شبكة تجسس مرتبطة بشكل مباشر بجهاز المخابرات الإماراتي، بعد عملية مشتركة جمعت بين جهاز الاستخبارات الوطني التركي (MIT) ومديرية مكافحة الإرهاب في شرطة إسطنبول، تحت إشراف مكتب المدعي العام الرئيسي في المدينة، في قضية مصنفة ضمن إطار “التجسس السياسي أو العسكري”.
العملية التي وُصفت بأنها دقيقة ومعقدة، كشفت عن محاولات ممنهجة لاختراق مواقع حساسة داخل مؤسسات متعلقة بصناعة الدفاع التركية، عبر أساليب تقنية وتنظيمية تشير إلى تورط رسمي ومباشر من أبوظبي.

أساليب اختراق متطورة ومحاولات لجمع بيانات حساسة
وبحسب مصادر التحقيق، فإن بداية الخيط كانت برصد تحركات للحصول على بيانات شخصية ومهنية تخص موظفين يعملون في مواقع شديدة الحساسية داخل شركات ومؤسسات تعمل في مجال الصناعات الدفاعية. وقد تبين أن عناصر الشبكة استخدموا ملفات تعريف مزيفة مسجلة من شركات GSM داخل تركيا، إلى جانب استغلال خط هاتف مخصص لوزارة الخارجية لمراوغة الأنظمة الرقابية، إضافة إلى تواصل مع مسؤولين من بعض الدول الأجنبية بهدف خلق غطاء يسمح بتنفيذ الأنشطة دون إثارة الشبهات. هذه التفاصيل دفعت الأجهزة الأمنية إلى فتح تحقيق مشترك اعتمد على المتابعة التقنية والتحليل الاستخباراتي قبل الانتقال إلى مرحلة التوقيف والمداهمة.
كشف أربعة متورطين واتصالات مباشرة مع أبوظبي
وأوضحت السلطات أن أربعة أشخاص تم تحديد هوياتهم وتبيّن وجود ارتباط مباشر فيما بينهم، حيث قاموا بشراء خطوط اتصالات تابعة لمشغل تركي، وتسليمها إلى جهاز المخابرات في الإمارات، بما يجعلها متاحة للاستخدام الخارجي دون أن تظهر في سجلات تتبع الاتصالات داخل البلاد. وتشير المعلومات إلى أن المتهمين تلقوا تعليمات استخباراتية مباشرة، وتمويلًا منتظمًا، وتوجيهات تتعلق بجمع السير الذاتية والمعلومات الوظيفية الخاصة بموظفين بارزين في مؤسسات دفاعية، وهو ما يؤكد أن الهدف ليس تجميع بيانات عابرة، بل بناء قاعدة معلومات يمكن استخدامها لاحقًا في عمليات استقطاب أو ابتزاز أو مراقبة أو هندسة اختراقات أوسع.
لماذا تستهدف الإمارات الصناعات الدفاعية التركية؟
الملف اكتسب أهمية إضافية بسبب طبيعة الجهة المستهدفة، فتركيا باتت خلال السنوات الأخيرة لاعبًا صاعدًا في الصناعات الدفاعية، وخصوصًا بعد النجاحات التي حققتها المسيّرات التركية في عدد من ساحات النزاع، ما أثار قلق قوى إقليمية تتضرر من انتقال موازين القوة. وبحسب تحليل خبراء أمنيين، فإن الإمارات ترى أن تطور الصناعات الدفاعية التركية يحدّ من قدرتها على الهيمنة في مناطق النفوذ، خصوصًا مع اختلاف المقاربات السياسية بين البلدين تجاه ملفات مثل الربيع العربي وليبيا وفلسطين.
سجل إماراتي طويل في التجسس والتدخلات السرية
ولا تأتي هذه العملية بمعزل عن سجل الإمارات في مجال التجسس والتدخلات الاستخباراتية، إذ وثّقت تقارير دولية تورط أبوظبي في تشغيل شبكات تجسس إلكترونية مثل مشروع “Raven”، والتعاون مع شركات تجسس إسرائيلية مثل NSO، إلى جانب تجسسها على مسؤولين في دول خليجية، ودعمها عمليات تخريب سياسي وأمني في بلدان عربية. كما ارتبط اسم الإمارات بملفات تمويل ميليشيات، والتلاعب بالإعلام، واستخدام النفوذ الاقتصادي لاختراق مؤسسات سيادية في دول أخرى. هذه الخلفية تجعل من الشبكة التي تم كشفها في إسطنبول جزءًا من نمط متكرر وليس حادثًا منفردًا.
رسائل أمنية وسياسية وراء الإعلان التركي
وتشير القراءة السياسية إلى أن الكشف العلني عن العملية يحمل رسائل متعددة؛ أولها تأكيد أن الأجهزة التركية قادرة على رصد وإجهاض أي محاولة اختراق مهما كانت متقنة، وثانيها فضح السلوك الاستخباراتي الإماراتي أمام الرأي العام، وثالثها تقديم إشارة تحذيرية إلى الدول أو الجهات التي قد تسمح بأن تكون منصة استهداف للأمن التركي. كما يرى مراقبون أن الإعلان قد يرتبط بملفات دبلوماسية واقتصادية أخرى عالقة بين أنقرة وأبوظبي، ما يجعل القضية جزءًا من توازن الرسائل والضغوط.
الإمارات.. دولة تتنفس التجسس وتتمدد خارج حدودها
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الإمارات تواجه اتهامات بدعم أنشطة عسكرية في السودان عبر قوات الدعم السريع، وتمويل شبكات تأثير في أوروبا، وتورط في حملات تضليل إعلامي في المنطقة، ما يعزز الصورة المتنامية لها باعتبارها “دولة تتنفس التجسس وتستخدمه كأداة نفوذ”. وفي المقابل، تؤكد تركيا عبر هذه العملية أنها ليست ساحة مفتوحة للاختراق، وأن أمنها الدفاعي والسيادي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
اقرأ أيضًا : كردفان تشتعل.. خطوط الإمداد ومعركة كسر العظم وسط اتهامات بتورّط إماراتي في إطالة الحرب