تغيير حجم الخط ع ع ع

 

أحمد حسين

إن لم يمت السوري ببراميل الأسد المتفجرة أو غازاته السامة أو حتى معارك المتصارعين هناك، فإن موجات البرد والصقيع كفيلة بأن تقضي على ما تبقى منه.

وربما كان مشهد وفاة 15 طفلا داخل أحد المخيمات داخل سوريا بسبب البرد، قادرا على تحريك العالم كله ليس بتوفير وسائل التدفئة والرعاية الصحية فحسب، بل لاقتلاع الأزمة من جذورها.

لكن ما نراه اليوم، من العرب والمسلمين أنفسهم، ليس إلا مزيد من الهرولة نحو التطبيع مع نظام بشار الأسد، فتحولوا إلى مجرد أداة تزيد معاناة السوريين لا تزيلها.

مخيمات الموت

قبل أيام، قالت منظمة اليونيسيف إن 15 طفلا سوريا فارقوا الحياة في مخيمات داخل سوريا نتيجة البرد ونقص المساعدات الطبية.

8 من هؤلاء توفوا في مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية، نتيجة البرد وغياب أي مساعدات طبية وإنسانية لنحو 45 ألف نازح يعيشون في المخيم.

(مشهد نقل ضحايا البرد من المخيمات بات مألوفا)

وأوضحت المنظمة الدولية أن 7 أطفال آخرين فارقوا الحياة خلال نزوح عوائلهم من مناطق تنظيم الدولة بريف دير الزور إلى المخيمات، حيث إنهم انتظروا لوقت طويل حتى يُسمح لهم بالمرور عبر الحواجز إلى المخيمات في مناطق ما تُعرف بقوات سوريا الديمقراطية.

الائتلاف السوري المعارض قال إن نازحة سورية أحرقت نفسها في مخيم الركبان بسبب معاناة أبنائها الثلاثة والفقر الشديد الذي تعاني منه أسرتها، حيث لم تذق الطعام منذ 15 يوما.

وأفادت مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إنها استقبلت سيدة أصيبت بحروق من الدرجة الثانية، حيث نقلت إلى أحد مشافي العاصمة الأردنية عمان بصحبة طفلها الرضيع.

ويقع مخيم الركبان داخل الأراضي السورية بالقرب من المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن ضمن منطقة الـ55 التي تخضع لسيطرة قوات التحالف الدولي المتمركزة في قاعدة التنف على الحدود السورية الأردنية.

وفي مخيم “أطمة” بريف إدلب الشمالي على الحدود السورية مع تركيا، أغرقت الأمطار الغزيرة عشرات الخيام ما تسبب بزيادة معاناة مئات الأسر التي تسكن هذه الخيام.

يذكر أن مياه الأمطار أغرقت مخيمات بأكملها شمالي سوريا نهاية الشهر الماضي بينما يعيش أكثر من مليون ونصف مليون نازح بمخيمات إدلب.

(البرد يحصد أطفال سوريا)

وضربت عاصفة ثلجية وصلت لبنان، الاثنين الماضي، عشرات المخيمات التي تأثرت كثيرا بالثلوج والأمطار والسيول.

رئيس بلدية عرسال اللبنانية “باسل الحجيري” قال إن وضع النازحين السوريين في مخيمات عرسال ازداد سوءا بعد عاصفة “نورما”، مشيرا إلى أن عدد السوريين الموجودين في البلدة يقارب 60 ألف نازح موزعين على 126 مخيما.

وأوضح أن “النازحين في حالة لا يحسدون عليها وهم يسكنون في خيم من القماش والنايلون المسنودة بالخشب وهي تفتقر إلى أبسط مقومات العيش”، لافتا إلى أن “الرياح تقتلع الخيم من أساسها وتراكم الثلوج يدمرها والمياه تتسرب إليها بسهولة”.

خريطة توزيع اللاجئين

بحسب تقديرات غير رسمية، فقد نزح 13 مليون سوري منذ اشتعال الصراع وهو ما يمثل حوالي 60 % من عدد السكان قبل الحرب، وهي نسبة نزوح لم تشهدها دولة من قبل خلال العقود الأخيرة.

ووفق دراسة لمركز بيو للأبحاث، فإن أكثر من 6 ملايين و300 ألف سوري، أي حوالي 49 % من عدد المهجرين قد نزحوا داخليا، لكن هذه النسبة تغيرت خلال السنوات الأخيرة مع عودة مئات الآلاف إلى ديارهم وظهور نازحين جدد، ويقول المركز إن حوالي 700 ألف سوري نزحوا داخليا في النصف الأول من 2017 بسبب الصراع المستمر.

كما لجأ أكثر من 5 ملايين إلى الدول المجاورة في تلك المنطقة: تركيا (3.4 ملايين) ولبنان (مليون) والأردن (660 ألفا) والعراق (250 ألف لاجئ).

(النزوح أمل غالبية السوريين للبقاء على قيد الحياة)

وعليه فإن تلك الدول الأربع المذكورة تستضيف حوالي 41 % من عدد اللاجئين السوريين المنتشرين في العالم.

وأكثر من 150 ألفا يعيشون في دول شمال أفريقيا مثل مصر (130 ألفا) وليبيا.

أما أوروبا فيعيش فيها حوالي مليون سوري كلاجئين أو طالبي لجوء: ألمانيا (530 ألفا يمثلون خامس أكبر نسبة لاجئين في العالم) والسويد (110 آلاف) والنمسا (50 ألفا).

ويقول المركز إن جميع السوريين تقريبا في أوروبا ممن تقدموا بطلبات لجوء بين عامي 2015 و2016 تم السماح لهم بالبقاء أو ينتظرون البت في طلباتهم.

بالإضافة لهؤلاء يوجد حوالي 24 ألف سوري تمت إعادة توطينهم في أوروبا بين 2011 و 2016.

كما يوجد حوالي 100 ألف سوري في أمريكا الشمالية، يمثلون أقل من 1 % من العدد الإجمالي للاجئين السوريين في العالم، حيث أعادت كندا توطين حوالي 52 ألف سوري، أما في الولايات المتحدة فتمت إعادة توطين حوالي 21 ألفا، وهناك حوالي ثمانية آلاف يقيمون على أساس برنامج الحماية المؤقتة، الذي يمنح مهاجرين يواجهون حروبا أو كوراث في بلادهم حق الإقامة والعمل في الولايات المتحدة لمدة محددة.

شيزوفرينيا الأنظمة!

وعلى الرغم من أهمية حملات الإغاثة الإنسانية التي انطلقت في الكثير من العواصم العربية لتخفيف حدة المنخفض الجوي الحالي على اللاجئين السوريين، إلا أن الأمر كشف ما يمكن أن نسميه شيزوفرينيا الأنظمة.

فها هي دولة الإمارات تسارع في إرسال 5 ملايين دولار للاجئين في مخيمات لبنان، لكنها هي الدولة نفسها التي تصدت لإعادة التطبيع مع النظام السوري، فكانت أول دولة عربية تعيد فتح سفارتها في دمشق.

(سفارة أبو ظبي بدمشق تكشف زيف مساعدة اللاجئين)

وربما حُق للجميع أن يتساءلون: أليس نظام الأسد هو المتسبب الحقيقي في معاناة السوريين وفي القلب منهم اللاجئون داخل البلاد وخارجها؟، كيف إذاً أداوي جراح هؤلاء وفي الوقت ذاته أتصالح مع من قتلهم؟.

السعودية التي تهرول هي الأخرى لكن بشكل أقل جرأة للتطبيع مع الأسد، لم يفتها موسم إرسال المساعدات، بل تتباهى بأنها الأكثر دعما للاجئين السوريين، حسب ما تروج له في إعلامها.

وسط هذه الأجواء كان لافتا الموقف القطري، حيث كانت الدوحة في طليعة مقدمي المساعدات الإغاثية السخية للسوريين، وفي الوقت ذاته أعلنت رسميا أنها لن تتصالح مع رئيس يقتل شعبه.