تتزايد المخاوف الأممية من حجم الكارثة التي تشهدها مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعدما تحولت إلى مسرح لجرائم وُصفت بأنها “منهجية وسادية”، ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد المدنيين المحاصرين.
ففي بيان صادم، عبّر خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان عن فزعهم من التقارير الميدانية التي كشفت عن عمليات قتل جماعي واغتصاب وتعذيب وإعدامات ميدانية على أساس عرقي، في وقت يتفاقم فيه الوضع الإنساني تحت أنظار المجتمع الدولي الذي يكتفي بالإدانات المتكررة دون تدخل فعلي.
ويرى مراقبون أن هذه الجرائم ليست بمعزل عن الدعم الخارجي الذي تتلقاه قوات الدعم السريع، وخصوصًا من الإمارات التي تُتهم بتزويدها بالمال والسلاح رغم القرارات الدولية.

المدينة التي خُنقت 540 يومًا
منذ أكثر من عام ونصف، تخضع الفاشر لحصار خانق فرضته قوات الدعم السريع، أدى إلى انهيار كامل في الخدمات الأساسية وانقطاع الإمدادات الغذائية والطبية. ووفق تقارير الأمم المتحدة، فإن السيطرة الكاملة التي أعلنتها قوات الدعم السريع على المدينة في 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي جاءت بعد حملة عسكرية عنيفة رافقها قصف للأحياء السكنية والمرافق الطبية وملاجئ النازحين.
وأشار الخبراء الأمميون إلى أن السودان يعيش واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم، حيث بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 8.6 ملايين، فضلًا عن أكثر من 3 ملايين لاجئ في دول الجوار، معظمهم من دارفور. ومع ذلك، لم تُتخذ أي إجراءات حاسمة لحماية المدنيين، ما جعل الفاشر تتحول إلى “مقبرة جماعية صامتة”، على حد وصف منظمات الإغاثة.
فظائع داخل المستشفيات والملاجئ
بحسب إفادات موثقة، دخلت قوات الدعم السريع إلى المستشفى السعودي للولادة في الفاشر، وأعدمت عشرات الجرحى والمرضى داخله، بينهم نساء وأطفال، ليصل عدد القتلى في هذا المرفق وحده إلى نحو 460 شخصًا. كما استُهدفت منشآت طبية أخرى في حيّ المطار وحيّ الدرجة الأولى، حيث كانت تُستخدم كمراكز طبية مؤقتة.
ولم تسلم النساء والفتيات من الانتهاكات، إذ أكد الخبراء أن المدينة شهدت مستويات “واسعة النطاق ومنهجية” من العنف الجنسي، استخدمت كوسيلة للهيمنة والإذلال الجماعي. ووردت شهادات عن اغتصاب نساء أمام أزواجهن وأقاربهن، واحتجازهن لأيام في أماكن غير إنسانية. كما جرى اختيار فتيات من ملاجئ النازحين قرب جامعة الفاشر واغتصاب ما لا يقل عن 25 منهن، بينما أُجبرت مئات الأسر على الفرار وسط إطلاق النار.
إرهاب عرقي واستهداف للمدنيين
الخبراء الأمميون عبّروا عن صدمتهم من “الوحشية المنظمة” التي اتسمت بها هذه الهجمات، حيث طالت المدنيين من جماعات الفور والمساليت والزغاوة، في مشهد يعيد إلى الأذهان حملات التطهير العرقي في دارفور قبل عقدين. وأوضح البيان أن قوات الدعم السريع نفذت عمليات تفتيش مهينة وإعدامات ميدانية ضد المدنيين، فيما اختُطف آخرون وطُلبت فدية لإطلاق سراحهم.
كما أفادت التقارير بأن الفارين من المدينة تعرضوا للضرب والإساءات العنصرية، فيما اختُطف العديد من الناجيات من العنف الجنسي وأُخفين قسريًا، دون حصولهن على أي دعم طبي أو نفسي. ويُعتقد أن هذه الجرائم قد ترقى إلى مستوى “جرائم ضد الإنسانية”، وفق ما أكده خبراء الأمم المتحدة الذين دعوا إلى فتح تحقيقات مستقلة وسريعة.
الإمارات في مرمى الاتهامات الدولية
تأتي هذه الجرائم وسط تصاعد الاتهامات لأبوظبي بلعب دورٍ خفي في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). تقارير أممية وإعلامية عدة أشارت إلى أن الإمارات تستخدم غطاء المساعدات الإنسانية في تشاد لتوفير الدعم اللوجستي والعسكري لقوات الدعم السريع، وهو ما نفته أبوظبي مرارًا، رغم الأدلة المتزايدة التي توثق تدفق الأسلحة والطائرات المسيّرة عبر مسارات غير مشروعة.
ويرى محللون أن الدعم الإماراتي أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسار التسوية، إذ مكّن قوات الدعم السريع من شن عمليات واسعة في دارفور وكردفان وحتى الوصول إلى مشارف النيل الأبيض، ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في معادلة الصراع الداخلي، على حساب وحدة السودان واستقراره.
صمت دولي وقلق متزايد
ورغم خطورة التقارير، فإن المجتمع الدولي لا يزال عاجزًا عن التحرك الجاد. الاكتفاء بالإدانات اللفظية والبيانات الإنسانية لم يمنع تفاقم الجرائم ولا أنقذ حياة آلاف المدنيين. ويُحذر خبراء الأمم المتحدة من أن استمرار الإفلات من العقاب سيقود إلى تكرار مآسي الإبادة التي عرفتها دارفور في العقد الأول من الألفية، ما لم يُتخذ موقف حاسم ضد المسؤولين عن هذه الجرائم ومن يدعمهم ماليًا أو عسكريًا.
ودعا الخبراء إلى فرض عقوبات فورية على الأطراف المتورطة، وإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة، وتوسيع مهام المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة قادة الدعم السريع والمتورطين في الجرائم، مؤكدين أن ما يجري في الفاشر يمثل اختبارًا خطيرًا لضمير العالم.
خاتمة: فاشر تنهار.. والعالم يتفرج
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل عنوان لفشل النظام الدولي في حماية المدنيين أمام آلة قتل تتغذى من الخارج وتتحرك بلا رادع. ومع استمرار التواطؤ بالصمت أو بالدعم غير المباشر، يزداد احتمال أن تتحول دارفور مجددًا إلى مسرح لإبادة جديدة. وبينما يواصل سكان الفاشر دفن ضحاياهم بأيديهم، يظل السؤال قائمًا: كم من المجازر يجب أن تقع قبل أن يتحرك العالم لوقف هذه الكارثة التي تشارك فيها أيادٍ إقليمية، على رأسها أبوظبي، التي تحولت من دولة تسعى إلى النفوذ إلى شريك في المأساة؟
اقرأ أيضًا : الدعم السريع بدعمٍ إماراتي يوسّع هجماته نحو الخرطوم