تغيير حجم الخط ع ع ع

 

ارتكبت فرنسا العديد من الجرائم في حق الشعب الجزائري قديمًا حين احتلت أرضه ونهبت خيراته وقتلت قرابة 5 ملايين شخص، إلى جانب حملات تهجير ونهب للثروات خلال الاحتلال الذي دام بين عامي 1830 و1962. لكن ربما كان أحد أخطر الجرائم التي ارتكبتها فرنسا في حق الجزائريين هي تجاربها النووية. فقد أجرت سلطات الاحتلال الفرنسية سلسلة تفجيرات نووية في الصحراء الجزائرية، 4 فوق الأرض و13 تحتها، بين 1960و1966. كذلك أجرت فرنسا بعض التفجيرات بعد الاستقلال، في 1962، في فترات ضعف الدولة الجزائرية.

حتى أن المجلة العلمية المحكمة “مصادر تاريخ الجزائر المعاصر”، التي تصدر عن المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1954، وتتبع الحكومة الجزائرية، قد قالت في عدد 2019، أن “الصحراء الجزائرية استُعملت بين 13 فبراير/ شباط 1960، و16 فبراير 1966، مسرحًا لـ57 تفجيرًا وتجربة واختبارًا نوويًا”، وأن “4 تجارب جوية بحمودية رقان، جنوبي الجزائر، كانت ملوثة للغاية و13 تجربة باطنية تحت الأرض في تاوريرت تان أفال، إين أكر، وكانت فاشلة”.

ووفق المجلة، فإن أخطر حادث نووي هو “بريل ـ Béryl في أول مـايو/ أيار 1962، إضافة إلى 35 اختبارًا نوويًا للسلامة على مستوى آبار بحمودية و5 تجارب نووية في موقع تاوريرت تان أترام (محافظة تمنراست) في الهواء الطلق باستعمال مواد انشطارية كالبلوتونيوم”.

ووفقًا لتقديرات اللجنة الفرنسية التابعة للحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية فإن كثيرًا من النفايات ومخلفات تلك التجارب، بما في ذلك الدبابات والمروحيات والطائرات التي استخدمت آنذاك، لا تزال مدفونة في الرمال، وتعادل 3 آلاف طن. وما زالت الإشعاعات التي تتسرب من تلك المعدّات تشكل خطرًا على البيئة والسكان والمحاصيل والماشية بعد مرور عقود على التجارب النووية الفرنسية في الجزائر.

 

جرائم فرنسية في الماضي والحاضر

لكن حتى الآن لم تنته جرائم فرنسا بحق الجزائريين. فإضافة إلى عدم استجابتها لمطالب جزائرية رسمية وشعبية بشأن الاعتراف بجرائمها النووية وتعويض الضحايا، ترفض فرنسا تسليم الجزائر خرائط التفجيرات، التي ما زال ضررها حاضرًا حتى الآن على الشعب الجزائري.

حيث صرح وزير المجاهدين الجزائري “الطيب زيتوني”، في مقابلة مع وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية، أن “فرنسا ترفض تسليم بلاده خرائط تفجيرات نووية أجرتها في صحرائها، خلال ستينات القرن الماضي”. وأضاف: “الطرف الفرنسي يرفض تسليم الخرائط الطبوغرافية، التي قد تسمح بتحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية غير المكتشفة لغاية اليوم”.

وأكد المسؤول الجزائري أنه “كما أن فرنسا لم تقم بأية مبادرة لتطهير المواقع الملوثة من الناحية التقنية أو بأدنى عمل إنساني لتعويض المتضررين”، مشددًا على أن “التفجيرات النووية الاستعمارية تعتبر من الأدلة الدامغة على الجرائم المقترفة التي لا تزال إشعاعاتها تؤثر على الإنسان والبيئة والمحيط”.

 

مطالبات من الساسة والعسكريين الجزائريين

ورغم أن المطالب الجزائرية بتسليم خرائط التفجيرات تأتي من أعلى السلطات في البلاد، إلا أن فرنسا لا تستجيب حتى الآن. فقد قال الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في مقابلة مع صحيفة “لوبوان” الفرنسية، مطلع يونيو/ حزيران الماضي: “نطلب من فرنسا تنظيف مواقع التجارب النووية، ونأمل منها معالجة ملف ضحاياها”.

وأضاف تبون: “الجزائريين ينتظرون اعتراف فرنسا بجميع جرائمها، ونطلب من فرنسا تنظيف مواقع التجارب النووية، ونأمل في أن تعالج ضحايا التجارب النووية”، كما أن وزير الخارجية الجزائري، صبري بوقدوم، قد فتح في خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحدة في 2020 ملف النفايات النووية الفرنسية في بلاده، مؤكدًا استمرار معاناة منطقة التفجيرات النووية من الإشعاعات.

علاوة على هذا، فإنه في 8 أبريل/ نيسان الماضي، استقبل رئيس أركان الجيش الجزائري نظيره الفرنسي “فرانسوا لوكوانتر”، في إطار زيارته للبلاد. وقال المسؤول العسكري الجزائري حينها لنظيره الفرنسي: “أنتظر دعمكم خلال انعقاد الدورة 17 للفوج المختلط الجزائري ـ الفرنسي حول ملف التفجيرات، المزمع عقدها خلال مايو/ أيار 2021”.

وأوضح أن انعقاد الدورة 17 يهدف إلى “التكفل النهائي بعمليات إعادة تأهيل موقعي رڨان وإين أكر، وكذلك مساندتكم في هذا الإطار، بموافاتنا بالخرائط الطبوغرافية، لتمكيننا من تحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية غير المكتشفة لحد اليوم”.

وربما في تدخل العسكريين من الطرفين إشارة واضحة على أن المسألة عسكرية بحتة لخصوصيتها، وأن السياسيين وصلوا إلى طريق مسدود بشأنها.

 

أسباب التعنت الفرنسي تجاه الجزائر

ويرى بعض المراقبين أن رفض فرنسا تسليم خرائط التفجيرات النووية يرتبط بكونه من الأسرار التامة للجيش الفرنسي، حيث إن التفجيرات النووية تدخل في إطار الأسرار التامة للجيش الفرنسي، وبالتالي تريد باريس إخفاء هذه الأسرار. وفي حالة كشف فرنسا عن هذه خرائط هذه التفجيرات، وتسليمها للسلطات الجزائرية، فإن هذه الخطوة ستفتح الباب واسعًا أمام الكثير من الأمور حول مختلف الجرائم البشعة التي ارتكبتها في حق الجزائريين، وقد تصل حد إدانتها عالميًا.

كذلك، فإن فرنسا تريد استعمال ملف التفجيرات والخرائط ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الجزائر، حيث إنها لا تريد كشف كل الأوراق في إطار مسألة المفاوضات حول ملف الذاكرة لتبقي بيدها ورقة ضغط تستطيع أن تخدمها في المستقبل، علاوة على أنه في حال أظهرت فرنسا كل أوراقها، فسينجر عن ذلك المطالبة بتعويض ضحايا التفجيرات النووية وإدانة باريس في العالم.

وعلى هذا، يتضح أن فرنسا التي تدعي أنها جمهورية أنشئت على مبادئ إنسانية، تفضل قتل جزائريين جدد جراء مخلفات تجاربها النووية، على أن تفصح عن خرائط التجارب، وتنقذ ملايين الجزائريين، والأجيال القادمة. وكل هذا بسبب خوفها من المطالبة بتعويضات عن جرائمها التي ما زالت شعوب العالم تئن تحت وطأتها حتى اليوم.