تغيير حجم الخط ع ع ع

 

دخل قرار وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية حيز التنفيذ بعد 11 يوماً من القصف المكثف على قطاع غزة المحاصر والخسائر البشرية والمادية الجسيمة التي تكبدها القطاع وأهله، وفي حال استمر وقف إطلاق النار، فسينتهي أعنف قصف إسرائيلي لقطاع غزة منذ هجومه عام 2014.

 

قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيان يوم الخميس إنه قبل اقتراح مصر بوقف “متبادل” لإطلاق النار في قطاع غزة، بعد عدة أيام من تصاعد الضغوط الدولية.

 

بالنسبة للفلسطينيين كان إعلان وقف إطلاق النار انتصاراً، حيث نزلوا إلى الشوارع في غزة والأراضي المحتلة للاحتفال الساعة 2 صباحًا للاحتفال، حيث سمع دوي إطلاق نار وألعاب نارية احتفالية بينما استخدمت المساجد مكبرات الصوت لبث هتافات احتفالية حيث أشادت المنطقة المحاصرة التي مزقتها الحرب بما يبدو أنه نهاية لبعض أسوأ أعمال العنف منذ عقد.

 

الجانب الإسرائيلي اعتبر هذا انتصاراً أيضاً، حيث قال إنه تمكن من تحقيق أهدافاً عسكرية وقدرته على حماية شعبه، وهي وجهة النظر التي أيدها بايدن، الذي تمسك لآخر لحظة بتصريحاته حول حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الصاروخية العشوائية من حماس وغيرها من غزة، وهي الجماعات التي لم يتراجع عن وصفها بالإرهابية، بل أكد بايدن في بيانه أن الولايات المتحدة ملتزمة بتقديم المساعدة الإنسانية والدعم لجهود إعادة الإعمار في غزة، لكنها ستعمل فقط مع السلطة الفلسطينية وليس مع حماس.

 

على مدى الأيام الـ 11 الماضية، قتلت الضربات الجوية الإسرائيلية ما لا يقل عن 232 فلسطينيا في قطاع غزة، بينهم 65 طفلا و39 امرأة و17 رجلا مسنا.

يتكدس أكثر من مليوني فلسطيني في غزة، وهي منطقة بحجم مدينة ديترويت الأمريكية، وتحت الحصار الذي تفرضه إسرائيل منذ عام 2006، وُصفت المنطقة بأنها “أكبر سجن مفتوح في العالم”.

 

الشيخ جراح والمسجد الأقصى

 

بدأت حماس في إطلاق الصواريخ على إسرائيل في الليلة بين 9 و 10 مايو/أيار، كرد فعل على اجتياح إسرائيل للمسجد الأقصى ومحاولاتها إجلاء العائلات الفلسطينية قسراً في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية، لكن تلك الهجمات الأولية تسفر عن سقوط قتلى أو أضرار.

كانت التوترات عالية بالفعل حيث فرضت إسرائيل قيودًا شديدة على حق الفلسطينيين في الدخول والصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المبارك، تزامن ذلك مع أن أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية 40 فلسطينيًا في الشيخ جراح، من بينهم 10 أطفال، بمغادرة منازلهم التي كان من المقرر أن يستولي عليها المستوطنون الإسرائيليون.

 

نتيجة للقرار الإسرائيلي، اندلعت احتجاجات في الشيخ جراح، وفي غضون أيام، انتشرت مظاهرات تضامنية في باقي أنحاء القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية وغزة، وهو ما قابلته قوات الاحتلال بوحشية منقطعة النظير، حيث أطلقت الغاز المسيل للدموع والأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط داخل المسجد الأقصى وحوله، والذي يعتبر ثالث أقدس الأماكن في الإسلام.

 

سرعان ما انتشر الغضب في المجتمعات الفلسطينية، وأعطت حركة حماس إنذاراً لإسرائيل، وطالبتها بسحب قواتها من المسجد الأقصى، ووقف خططها لإجبار العائلات الفلسطينية على الخروج من الشيخ جراح، وهو ما تجاهلته إسرائيل واستمرت في ارتكاب انتهاكاتها، لتطلق حماس صاروخها الأول، الذي ردت إسرائيل عليه بضربات جوية معقدة وبدأت في تدمير المباني الشاهقة في غزة.

 

هدوء ذو قناع في القدس

 

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، قال الفلسطينيون في الأراضي المحتلة إنهم ما زالوا متشككين في أن التوترات ستهدأ في القدس، لا سيما مع استمرار تعرض سكان الشيخ جراح لخطر الإخلاء الوشيك، حيث أكدت المصادر الإسرائيلية على أنه لا توجد تفاهمات أو التزامات بخصوص المسجد الأقصى أو الشيخ جراح كجزء من الاتفاق.

 

وقال حمزة قطينة، وهو محام من القدس، إن وقف إطلاق النار أدى إلى “هدوء مؤقت” واصفاً أنه مجرد قناع لانتهاكات أخرى قادمة في المدينة المتنازع عليها، وأضاف “سيختفي هذا القناع بعد وقت قصير من انتهاء الحرب وسيعود الاحتلال إلى انتهاكاته”.

 

وأضاف أن المحاكم الإسرائيلية لم تلغ قرار إخلاء السكان الفلسطينيين من منازلهم، مشيراً أنه “عوضًا عن ذلك، نصبت قوات الاحتلال حواجز حول الشيخ جراح وحاصرت أهلها بشكل أكبر. إنهم يحاولون طرد العائلات دون لفت أنظار العالم”.

 

وقال قطينة إنه يتوقع أن تخفض إسرائيل التوترات في القدس لبضعة أسابيع “حتى يعتقد الجميع أنهم ليسوا من يتسببون في التوترات”.

 

معادلة جديدة

 

قال حاتم عبد القادر، عضو المجلس الثوري لفتح ومجلس الأوقاف الإسلامية، إن التطورات الأخيرة في غزة خلقت وعيا جديدا بشأن النضال الفلسطيني والوضع المزري في القدس.

 

وأضاف “القدس ستبقى بوصلة وقلب الأحداث بغض النظر عما إذا كان العدوان على قطاع غزة سينتهي أم مستمراً”، مؤكداً أن “المعركة في القدس لا تزال مستمرة وستستمر حتى ينتهي الاحتلال الإسرائيلي”، لافتاً أنه بالنسبة لإسرائيل فإن “القدس أهم أهداف إسرائيل التي تسعى للحصول عليها، وتخوض حرباً شرسة مفتوحة ضد جميع مكونات المدينة لطمس هويتها… لذلك سيبقى المسجد الأقصى الشريف أشد بؤر الاشتعال سخونة والنقطة الأخرى ستكون الشيخ جراح، ولن يهدأ هذا ما دامت الإجراءات الإسرائيلية لطرد الفلسطينيين مستمرة”.

 

وقال عبد القادر “أعتقد أن القدس قبل 28 رمضان تختلف عن القدس بعد هذا التاريخ”، مضيفاً “هناك صحوة جديدة ومعادلة جديدة أسسها أهل القدس تقوم على مواجهة الظلم والعدوان الإسرائيلي بالصمود والمقاومة”.

 

هذه المعادلة الجديدة، بحسب عبد القادر، هي التي أجبرت إسرائيل على تأجيل إشعار إخلاء سكان الشيخ جراح ولو مؤقتًا، وأشار إلى أن إسرائيل أدركت أن عمليات الطرد ستشكل “خطا أحمر” لسكان القدس.

 

صحوة النضال الفلسطيني

 

في غضون ذلك، يعتقد الباحث والمحلل السياسي خليل شاهين أن اللحظة الحالية في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة ساهمت في تعزيز سبل المقاومة طويلة الأمد في النضال الفلسطيني ضد إسرائيل.

 

وفي حواره قال شاهين إن “النضال ضد الاحتلال أخذ منعطفًا جديدًا منذ عام 2014، بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والانتفاضة الشعبية التي تزامنت معه في الضفة الغربية، ثم اندلعت انتفاضة القدس الشعبية عام 2017 ضد قيام السلطات الإسرائيلية بتثبيت بوابات إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى”.

 

وحول موجة التظاهرات الحالية يرى شاهين أن الضفة الغربية تشهد مرحلة جديدة، حيث قال الباحث إن الموجة سيطر عليها في الغالب الشباب والمبادرات الشعبية التي يبدو أنها غير منظمة إلى حد كبير، ولكنها مع ذلك لا تزال قادرة على تجميع الجهود وإحداث تأثير.

 

وعلى الرغم من تفاؤل شاهين بأن المشاعر الشعبية للمقاومة في الضفة الغربية ستستمر، إلا أنه يخشى أن تؤدي السياسات القمعية للسلطة الفلسطينية إلى مزيد من القمع والاضطهاد.

 

وقال شاهين “هناك فجوة كبيرة بين تطلعات الشارع الفلسطيني وتطلعات السلطة الفلسطينية”، موضحاً أن “الرئيس الفلسطيني محمود عباس حريص على إنهاء القتال في غزة حتى يتمكن من تركيز جهوده على العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل وإحياء عملية السلام”.

 

وتابع شاهين “هناك فجوة بين السلطة الفلسطينية التي تريد إعادة خلق نفس السياسات القديمة، وبين الشباب الفلسطيني الذي يريد شق طريق جديد لنفسه”… “السلطة الفلسطينية تدعم الانتفاضة الشعبية الحالية، لكنها في الواقع لا تريد أي تغيير للوضع الراهن؛ لذلك، في المرحلة المقبلة، سنشهد حملة قمع أشد من السلطة الفلسطينية التي تخشى انفجار المجتمع الفلسطيني”.

 

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا