تغيير حجم الخط ع ع ع

رغم الانبهار الذي أبداه البعض عند إعلان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن مدينة “ذا لاين”، والتي تهدف لأن تكون مدينة صديقة للبيئة بطول 100 ميل ويقطنها مليون نسمة عي الصحراء العربية من البحر الأحمر إلى حدود الأردن، أبدى المعماري الإيطالي جيان بييرو فراسينيلي استيائه الشديد من فكرة هذا المشروع، إذ اعتبرها سرقة واضحة لأعمال ومخططات مجموعته المعمارية الشهيرة في إيطاليا.

 فراسينيلي، هو العضو الأخير الباقي على قيد الحياة من المجموعة المعمارية Superstudio، رائدة مدرسة “المعمارية الراديكالية” في الستينيات، وهي المدرسة التي كانت تنتقد التخطيط الحضري في ذلك الوقت لتأثيره السلبي على البيئة.

 استخدمت مقترحات Superstudio المضادة للهندسة المعمارية أنظمة الشبكة كوسيلة للتوسط في الفضاء، وذلك رغبة في التغيير الاجتماعي من خلال الهندسة المعمارية، وفي أوائل السبعينيات، ابتكروا سلسلة من الأفلام من أجل زيادة الوعي بالتأثير الضار للبناء على البيئة الطبيعية.

 مدينة “ذا لاين” أشبه بمخطط “Continuous Monumen” الذي قامت به المجموعة قبل عقود، وهو اقتراح لهيكل معماري ضخم وشامل يقطع الجبال والوديان، تماماً مثلما جاء في خطة بن سلمان، لكن التقليد لم يكن هو ما أثار غضب فراسينيلي، ولا حتى تيقنه من أن الميزانية الموضوعة للمشروع لن يتم توفيرها، ما أغضبه حقاً هو الفهم الخاطئ لمشاريع المجموعة الإيطالية، ما يجعل تنفيذها اليوم طريق سريع نحو إقامة “ديستوبيا” حديثة.

 اعتبر ” فراسينيلي” أن مشروع “ذا لاين” هو تنفيذ مروع لأحلام مجموعة Superstudio، قائلاً “رؤية الواقع المرير لخيالك الذي يتم إنشاؤه ليس أفضل شيء يمكن أن تتمناه”، مؤكداً أن القائمين على المشروع لم يستوعبوا الهدف الحقيقي من أفكار ومخططات مجموعته، التي كانت تقترحها للفت الانتباه إلى ضرورة إحداث تغيير جذري في مجال المعمار والبيئة، إذ كان مخطط “Continuous Monumen” يعتبر نقدًا للتخطيط الحضري في ذلك الوقت، وبحسب فراسينيلي فإن “Continuous Monumen” كان يُقصد به أن يكون مثيرًا للسخرية عند الإعلان عنه في 1969.

 مما لا شك فيه أن بقية أعضاء مجموعة  Superstudioكانوا سيشاركون ” فراسينيلي” غضبه إن كانوا على قيد الحياة، فعلى الرغم من حل المجموعة في منتصف السبعينيات، قدم كل من أدولفو ناتاليني وكريستيانو تورالدو دي فرانسيا وروبرتو ماغريس أعمال Superstudio للعمارة الحكيمة كتعليق نقدي على الغطرسة المتفجرة لحداثة منتصف القرن والمجتمع الرأسمالي الذي دعمها، ومنذ ذلك الحين وأعمال المجموعة التي أنشأوها لتوضيح أفكارهم المستقبلية، أصبحت صوراً رئيسية في كتب التاريخ المعماري، والذي يقدمها على أنها “هجاء متطور” للمعمار في ذلك الوقت.

 مقترح “Continuous Monumen” كان نتيجة “نظرية الجهد الأدنى” للمجموعة الإيطالية، فبعد أن حاولت وفشلت في انتزاع الحضارة من قبضة الرأسمالية بمفروشات منزلية مستوحاة من فن “البوب”​​، قررت الجماعة تصميم نظام من شأنه أن يلغي الحاجة إلى التصميم من الأساس، حيث قاموا باتخاذ المكعب على أنه “الخطوة الأولى والأخيرة في تاريخ الأفكار المعمارية” وصمموا الفيلات على قمة الجبل وشاطئ البحر من خلال تكديس المكعبات معًا في شبكات رتيبة حديثة، في سخرية واضحة من معمار العصر الحديث.

 لكن ولأجل المشاركة في معرض “ترينالي غراتس” للفنون والعمارة عام 1969، قامت المجموعة ببذل أقصى جهد من أجل إثبات نظريتهم عن طريق التطبيق العملي.

لقد جعلوا حجم الشبكة المستخدمة ضخماً للغاية، حيث قاموا بتكرار المكعب بلا كلل للتمدد فوق المناظر الطبيعية التي تتراوح من وسط مانهاتن إلى شلالات نياجرا، ثم تم تقديم المدينة داخل الشبكة كبيئة معيشية مثالية لجميع الناس، وكترياق مساواة للطبقات الاجتماعية في نيويورك.

ومن الجدير بالملاحظة أيضًا، أن مقترح “Continuous Monumen” قد تم طرحه كحل للتدمير البشري للطبيعة، وهو هيكل احتواء هائل لأنواع البشر من شأنه أن يمنع وصول الإنسان إلى النظم البيئية الهشة.

 وبالرغم من أن المخطط الإيطالي الشهير لم يكن المقصود به أن يتم تطبيقه عملياً، فإن الأمر لم يكن ساخراً تماماً، وبالتأكيد لا يمكن تأطيره بشكل قاطع على أنه ديستوبيا، حيث نشأت الشبكة بمحاولة جادة لمواجهة تجاوزات التصاميم المعمارية، ومن المفارقات أن الشبكة أصبحت تصميمًا خاصًا بها.

 مما يجدر الإشارة إليه أيضاً، أنه خلال السنوات التي كانوا نشطين فيها كمجموعة، غالبًا ما أشار أعضاء Superstudio إلى مشاريعهم على أنها “يوتوبيا سلبية”، ينطبق هذا المصطلح على مخططات “Continuous Monumen” والسطح الفائق، وهو نسخة ثنائية الأبعاد من الشبكة التي كان من المفترض أن تزيل المواد المعمارية – وتزيل الأثر البيئي للبناء – عن طريق توزيع الطاقة والمعلومات بحرية أينما ذهب الناس.

لم تكن هذه اليوتوبيا السلبية استهجان أو إدانة، بل كانت محاولة لتسليط الضوء على عواقب النوايا الحسنة، أو بمعنى أدق، الآثار السلبية التي تنتج عن أفكار عظيمة بسبب التمدن والحداثة.

 وفي محاولة لتجسيد هذه المعاني، تم إنشاء “Continuous Monumen” كي تكون مواجهة لغطرسة المدينة الفاضلة الصحراوية لمحمد بن سلمان من مستقبل ما بعد اليوتوبيا.

  للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا

اقرأ أيضًا: آخرها “ذا لاين”.. لماذا لم يعد يثق السعوديون بمشاريع بن سلمان الوهمية؟