تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة- معتز أشرف 

ضجة قد تبدو مفتعلة كثيرا، أطلق شرارتها كاتب مصري محسوب على النظام الحالي، حول فيلم أطلق عليه بعد مدوالة قديمة ” سري للغاية “، بعد أن كان يحمل اسم “أيام الغضب والثورة” في أغسطس 2017، ولكنها قد تفيد في تفسيرات أخرى مع معرفة أن الفيلم إنتاج مشترك بين رجلي أعمال بارزين؛ أحدهما أحمد أبو هشيمة، المقرب للغاية من السلطات المصرية، ومع تدشين سباق الانتخابات الرئاسية، خاصة أن الفليم يتحدث عن الفترة ما بعد ثورة يناير 2011 حتى يونيو  2013، ويظهر فيه الفنان المصري أحمد السقا بطلا، ليؤدي دور الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

بوابة أخبار اليوم الحكومية وصفت الفيلم في 2017، بأنه الأضخم في تاريخ السينما عن أيام “25 يناير “، إلا أن الكاتب الدكتور خالد منتصر حرك، فاجأ الجميع الخميس الماضي، بنشر بعض صور من الفيلم، عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، ثم حذفها قبل أن يحتفظ بها مدونون ومغردون، ليدشنوا ضجة حول الفيلم، ما بين ناقد ومرحب، ومتحدث عن دور الفن في خدمة رأس النظام المصري الحالي، قبيل إعلانه المحتمل خوض الانتخابات الرئاسية.

الفيلم يظهر فيه كذلك الفنان أحمد رزق، ليجسد دور الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب، والفنان عبد العزيز مخيون، ليلعب دور اللواء محمد العصار، عضو المجلس العسكري السابق، ووزير الإنتاج الحربي، والفنان نبيل الحلفاوي، الذي يلعب دور المشير محمد حسين طنطاوي، ومحمود حميدة، في دور الدكتور محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، فيما يجسد الفنان خالد الصاوى دور المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للإخوان، ومن تأليف الكاتب وحيد حامد، المؤلف المتخصص في كتابة المواد الفنية حول الإخوان المسلمين، ودخل في صدام سابق مع المحامي الراحل سيف الإسلام حسن البنا، بسبب مسلسل الجماعة الذي قام بتأليفه، ورصد فيه نجل المرشد الأول للجماعة أخطاء تاريخية بالجملة، وصلت إلى المحاكم، فضلا عن علاقته المعروفة في الوسط الفني بالأجهزة الأمنية، وهي الراوية التي دائما ما يستخدمها خصومه السياسيون من الإسلاميين في النيل منه مع أي إنتاج يخص رموزهم.

ضجة واشتباك

الفضاء الإلكتروني دخل سباق الضجة كالمعتاد، حيث تداول مدونون ومغردون صورا من كواليس الفيلم ، دون إشارة إلى مصدرها، ومنهم من انتقد الفيلم قبل رؤيته، انطلاقا مما اعتبره دعما للانقلاب العسكري الذي قام به السيسي ضد مرسي، وتشويها للكثيرين، حيث انتشرت تعليقات من عينة “طبعا الفيلم كله هيكون غش للتاريخ”، في مقابل تضخيم بارز من صحيفة اليوم السابع، المحسوبة على النظام، التي وصفت الفيلم في تقرير لها، حيث اعتبرت الفيلم ذكراة للتاريخ يتناول شخصيات كثيرة سيذكرها التاريخ مستقبلا وعلى مدار الأجيال المقبلة، فيما ذهب آخرون إلى قراءة سياقات أخرى لمشهد الفيلم، حيث توقعوا ترحيبا كاسحا به للدعاية للنظام الحالي.

محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحفيين، ومقرر اللجنة الثقافية بالمجلس، دون حول الفليم على صحفته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” بطريقة مختلفة، حيث توقع ساخرا أن يوصف الفيلم  في البداية بأنه “تجاوز الزمن والتاريخ والمنطق، قبل تصويره وعرضه، وحقق المستحيل”، وأن يحصل على جوائز الأوسكار 2018، خاصة أوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية، وأوسكار أفضل مكياج وتصفيف شعر، وأوسكار أفضل موسيقى تصويرية، وأوسكار أفضل فيلم، وأوسكار أفضل تصميم إنتاج، وأوسكار أفضل مونتاج أصوات، وأوسكارأفضل خلط أصوات، وأوسكارأفضل تأثيرات بصرية، وأوسكار أفضل نص سينمائي مقتبس، وأوسكارأفضل نص سينمائي أصلي، وأوسكار أفضل ممثل، وأوسكار أفضل ممثلة، وأوسكار أفضل ممثل مساعد، وأوسكار أفضل ممثلة مساعدة، وأوسكار أفضل تصوير سينمائي، وأوسكار أفضل تصميم أزياء، وأوسكار أفضل مخرج، وأوسكارأفضل مونتاج.

كما توقع “كامل ” أن يحصد الفيلم الجوائز الأولى في مهرجانات 2018، قبل عرضه وتصويره، ومنها جوائز مهرجان كان السينمائي الدولي، ومهرجان برلين السينمائي الدولي، ومهرجان يوكوهاما السينمائي، ومهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، ومهرجان البندقية السينمائي، ومهرجان روما السينمائي، ومهرجان مونتريال السينمائي، ومهرجان دبي، ومهرجان قرطاج، ومهرجان الجونة، وبالطبع مهرجان القاهرة السينمائي.

سينما يناير

بهذه اللغة الساخرة، يمكن فهم أحد الانطباعات التي ترسخت عند النخبة المصرية المحسوبة على الثورة، ومسافات بعيدة نوعًا ما عن طرفي الأزمة السياسية المصرية، خاصة أن الحديث عن ثورة يناير في مصر بعد انكسارها في 3 يوليو 2013، بعد الانقلاب العسكري- بحسب البعض- يثير مخاوف من تقديم عرض جديد عن ثورة يناير، من قبل المنظومة المحسوبة على النظام الحالي، الذي يجد مشاكل كثيرة في التعامل مع ثورة يناير ورموزها، ولايجيد إلا القمع معها، بحسب مراقبين.

وبحسب تقرير نشره موقع “العربي الجديد”، المحسوب على خط “رفض الانقلاب ” في مصر، فإن سبب قلة الأعمال المعبرة عن ثورة يناير، مقارنة بما ينبغي أن يكون والدعاية لها، تمثل في حصار الفنانين (الينايريين)، بحسب تعبيره، ومحاولات اغتيالهم معنوياً، والتحريض عليهم، وحظر بعض أعمالهم، فهناك أعمال لم يسمح لها بالعرض في دور السينما أو على الشاشة الفضية، مثل فيلم “18 يوماً”، بطولة أحمد حلمي، ومنى زكي، وهند صبري، وحنان ترك، وعمرو واكد، وأحمد الفيشاوي، وإيمي سمير غانم، ومسلسل (أهل اسكندرية) من كتابة بلال فضل، وإخراج خيري بشارة، وفيلم “صرخة نملة”، بطولة عمرو عبد الجليل، وأحمد وفيق، ورانيا يوسف، وحمدي أحمد، و” بعد الموقعة “، بطولة باسم سمرة، ومنة شلبي، وناهد السباعي، ومن إخراج يسري نصر الله، و” فبراير الأسود “، بطولة الفنان الراحل خالد صالح، ومن إخراج محمد أمين وتأليفه.

تاريخ كاشف

تاريخيا، كانت سينما الستينيات النافذة الأكبر لمرور السينما المصرية إلى مرحلة جديدة، حيث تحولت- بحسب تقرير نشره موقع “ساسة بوست “، تحت عنوان ” السينما المصرية المُعارضة: أفلام انتقدت السلطة “- إلى آلة دعائية كبيرة للترويج ضد النظام الملكي، وإبراز الجوانب السلبية لهذه الفترة، في مقابل تحقيق حلم الثورة والتحول الكبير في حياة المصريين وتحقيق العدالة الاجتماعيه، وهذا ما برز في سلسلة أفلام إسماعيل ياسين في الجيش، وفي البحرية، وفي الطيران، إلى جانب أفلام انتقاد النظام الملكي، كأفلام القاهرة 30، ورُدَّ قلبي، والأيدي الناعمة، وشروق وغروب، والأرض، وأفلام مناهضة الاحتلال وتواطؤ النظام الملكي عليه، مثل: “في بيتنا رجل”، و”لا وقت للحب”.

وقد رأي بعض النقاد أن فيلم الناصر صلاح الدين (بكل ما يحمله من أخطاء تاريخية) جاء ليؤكد فكرة البطل المنتظر المتمثل في صلاح الدين، وإسقاطه على شخص عبد الناصر، فيما منع نظام “ناصر” فيلم “شيء من الخوف”؛ نظرًا لما لمَحَت فيه الرقابة من تلميح لشخص جمال عبد الناصر، إلا أن جمال عبد الناصر قام بمشاهدته أكثر من مرة قبل أن يجيز عرضه، وقال عنه: “لا يمكن أن يكون الفيلم يقصدني، فلو كنت بهذه البشاعة حق الناس يقتلوني“.

وفي حقبة الرئيس المصري “محمد أنور السادات”، سارت السينما المصرية على نهج سينما “عبد الناصر”، حيث تحوَّل تناوُلُ السياسة من خلال السينما إلى مهاجمة للنظام السابق، من خلال إبراز الجوانب السيئة والتركيز عليها دون غيرها، حيث عمدت السينما في عهد السادات إلى التركيز على كشف خفايا الاستبداد السياسي والقمع الأمني في عهد عبد الناصر، في مقابل الحريات المتاحة في عهد السادات، ونرى في هذه الفترة بزوغ أفلام قوية للغاية تركت أثرًا كبيرًا في قلوب المشاهدين، مثل: الكرنك، إحنا بتوع الأوتوبيس، ثم انطلقت مرحلة السادات إلى مرحلة حرب أكتوبر، واستخدام الفن في حشد الجمهور والجنود، فكان إنتاج أكبر عدد من الأفلام التي صورت رحلة معاناة الجيش المصرى في رحلة الانتصار، ومنها: الرصاصة لا تزال في جيبي، والعمر لحظه، وأبناء الصمت.

وسارت السينما في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، على طريق متوزان جمع بين المعارضة الخفية التي ظهرت في ثنايا الأفلام، والنقد الصريح قبيل ثورة 25 يناير، وهو ما حدث في بداية عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، حيث انتشرت أعمال فنية مناهضة لعهد غريمه الدكتور محمد مرسي الذي أطاح به في انقلاب عسكري، وانقسم الفنانون طبقا لقناعاتهم إلى معسكري الأزمة.